هل زال الخطر عن الكويت؟
والحديث هنا، ليس أمنية، فقط، فكلنا نتمنى ألا يكون الخطر قائماً للآن، لكن الحديث بعقلانية، وواقعية هو الأهم.
فقد اثبتت التجربة أن وضعنا في الكويت، مختلف، فنحن كنا في هذه الحرب، بين فكي كماشة، من صواريخ ومسيرات ايرانية، ومسيرات عراقية، وتهديدات مستمرة من الطرفين.
وبرغم الرغبة بالعودة الكاملة للحياة، وعودة روتيننا الذي كان نعمة الهية، في ظل الأمن والأمان اللذين تتمتع بهما الكويت، الا أن القرارات العقلانية، التي تضع سلامة المجتمع وأفراده أولوية، هي الأولى بأن تتخذ، لا القرارات المتعجلة، ففي ملف عودة الحياة، والتعليم الحضوري تحديداً، أو فتح المطار، فان الحالة الكويتية قد لا تشبه كثيراً الحالة الخليجية، فنحن في قلب الحدث، والأقرب للأسف لأي توترات، فلو سلمنا برضوخ جانب من الخطرين لاتفاقات وقف العدوان، من يضمن الجانب الآخر؟!
ففي أزمنة القلق، تقاس قوة الدول بقدرتها على إدارة التفاصيل الصغيرة في حياة الناس، فالتحديات الكبرى، مهما كان مصدرها، تنعكس دائماً على أبسط تفاصيل يومنا.
ولهذا، فإن التعامل مع أي تهديد محتمل لا يجب أن يكون بردة فعل متسرعة، بل بخطة متماسكة تعيد ترتيب الأولويات دون أن تربك المجتمع، فمثل ما اننا نطالب باستمرار الحياة وعودتها لطبيعتها، نطالب أن تكون هذه العودة محسوبة المخاطر، وتراعي السلامة أولاً، ففي ملف استئناف العمل في مطار الكويت الدولي الذي كان هدفاً للعدوان لأكثر من مرة، فان الدعوة لافتتاحه بشكل كامل وطبيعي قد لا تكون دعوة حكيمة، بل العمل على اعادة افتتاحه بالتدريج هو القرار الأسلم، كأن تكون الرحلات نهاراً وبشكل محدود ومقنن، فالمطار، ليس مجرد بوابة سفر، بل مؤشر على الاستقرار وتشغيله بشكل متدرج، وفق تقييم مستمر للظروف، يبعث برسالة مزدوجة وهي اننا مستمرون، لكننا لسنا متهورين.
أما التعليم، فهو القصة الأعمق لأننا لا نتحدث عن مؤسسات فقط، بل عن أطفال بالتالي فان العودة الى المدارس ليست قرارا إداريا بسيطا، بل قرار يمس صحة وسلامة جيل كامل ولهذا، فان أي استعجال غير مدروس في هذا الملف قد يكلفنا أكثر مما نتوقع.
فاستمرارية العملية التعليمية مطلوبة، لكن الدعوة لعودة التعليم الحضوري، بشكله الكامل هو بلا شك قرار محفوف بالمخاطر، بينما المنطقة لازالت تغلي، وتعاني عدم الاستقرار الأمني! بل يجب أن تكون العودة مدروسة وآمنة، فالتدرج هنا ضرورة، فيمكن العودة بنماذج جزئية، بحضور محدود، بإجراءات واضحة، بتقييم يومي للوضع، مع جهوزية للتراجع إذا لزم الأمر، فالقوة في إدارة الأزمات تكمن في مرونة وسرعة اتخاذ القرار.
لكن في المقابل، لا يجب أن نسمح بأن تتحول الظروف الاستثنائية الى مبرر للتنازل عن جودة التعليم، وفي هذه الزاوية نتحدث تحديداً عن الاختبارات وطرق التقييم، فمهما تعددت الحلول البديلة، تبقى الاختبارات الحضورية هي الأكثر دقة وعدالة في قياس مستويات الطلبة، والحديث ليس عن شكل الامتحان، بل عن مصداقيته، فان أي خلل في التقييم اليوم، سينعكس غداً على مخرجات التعليم، وعلى كفاءة الأجيال القادمة.
فعندما تكون المعادلة المطلوبة تحقيق السلامة، دون التضحية بجودة التعليم فان التخطيط السليم هو المخرج، حيث يمكن تنظيم الاختبارات الحضورية بإجراءات مشددة، بتوزيع الطلبة، بتقليل الكثافات، بحيث نحافظ على نزاهة التقييم دون تعريض الطلبة لمخاطر غير محسوبة.
الا ان النقطة الأهم، خاصة في ملف التعليم هي الشفافية فأي قرار تتخذه الوزارة، ويمس مستقبل الطلبة، هي مطالبة بأن تعلنه فوراً لهم، فالبقاء في منطقة ضبابية دون تحديد آلية استمرار التعليم للمدة المتبقية من العام الدراسي أمر لا يمكن القبول به، فالطلبة بحاجة لصفاء ذهني، وبيئة صحية للمذاكرة، بينما هم لازالوا منشغلين بالتفكير ما اذا كانت المدارس ستعود حضورياً ام لا، ومنشغلين بمصير الاختبارات، بينما الوزارة لم تعلن حتى الآن قرارها النهائي!
وبلا شك فان القرارات المفاجئة التي تتغير بين ليلة وضحاها، لا تخدم التعليم بالمقابل فان الوضوح لا يخفف فقط من القلق، بل يبني الثقة، وهي العملة الأهم في الازمات.
وختاماً فان الكويت اثبتت عبر تاريخها انها لا تتوقف عند الأزمات، بل تعيد بناء نفسها من خلالها واليوم، نحن أمام فرصة لنؤكد مرة أخرى ان قوة الدولة لا تكمن فقط في قدرتها على الحماية، بل في قدرتها على الحفاظ على ايقاع الحياة دون أن تفقد بوصلتها، فالعودة ليست هدفا بحد ذاته، بل وسيلة لاستعادة التوازن، والتدرج ليس تردداً، بل حكمة.
