كتبت د. عبير العربي
في كل عام، ومع حلول ذكرى رحيل عبد الحليم حافظ، لا يعود الحديث عن مطربٍ رحل، بل عن ظاهرة إنسانية وفنية ما زالت حية في الذاكرة العربية. فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف استطاعت هذه القصة أن تستمر بكل هذا الحضور، رغم أن صاحبها كان يمتلك من الظروف ما قد يدفعه إلى الاكتفاء بدور عابر في الحياة، أو البقاء في “مساحة الظل” كما يصفها البعض؟
الحقيقة أن ما ميّز عبد الحليم حافظ لم يكن فقط موهبته الغنائية، بل قدرته على تحويل الهشاشة إلى قوة. فقد جاء من بيئة صعبة، وتحمّل المرض والمعاناة منذ طفولته، لكنه لم يسمح لهذه العوامل أن تُعرّف نهايته، بل جعلها جزءًا من بدايته. وهنا تحديدًا تكمن سرّ استمراريته: ليس في كونه استثناءً بعيدًا عن الناس، بل في كونه قريبًا منهم إلى حد التطابق.
لقد كان صوته امتدادًا لمشاعر جمهور كامل، لا صوت فردٍ واحد. لذلك لم يكن النجاح بالنسبة له ترفًا، بل ضرورة وجود.
أما عن السياق الأوسع، فإن تجربة عبد الحليم لا يمكن فصلها عن طبيعة المرحلة التي عاش فيها الفن المصري والعربي، حين كان الفن جزءًا من مشروع ثقافي ووطني متكامل. لم تكن الأغنية مجرد منتج ترفيهي، بل وسيلة للتعبير عن هوية أمة تعيش تحولات كبرى.
