كتب سلطان الحطاب –
إطلاق الرصاصة الأخيرة على صدر القدس…يجري الان ويدّب الأردن الصوت أمام العالم وامام الأمم المتحدة من موقف غيرته ومسؤوليته ويكرر تحذيراته من مغبة انفاذ أكبر مشروع استيطاني في الضفة الغربية منذ عام 1967، وهو المخطط الذي يستهدف عزل القدس عزلاً واستيطاناً، ويدق المسمار الأخير في نعش الدولة الفلسطينية العتيدة، ويكشف طبيعة العدوانية الاسرائيلية المستمرة القائمة على الاستيطان ونهب الأراض وترحيل المواطنين الفلسطينيين عن وطنهم.
وتاتي حرب الابادة في غزة وما يوازي ذلك في الضفة الغربية من إجراءات عنصرية، كأدوات لاستكمال المشروع الصهيوني العقائدي القديم، (أرض بلا شعب)، لسكان يريدون الأرض، في معادلة جهنمية لا تتوقف وأدواتها القتل الذي يأخذ أشكالاً مختلفة، بالرصاص والتجويع والتعطيش والاكراه على الترحيل.
أيها الأردن الغيور، لقد اسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي، وأنت تقوم بأضعف الايمان، أمام هذا المخطط الجهنمي ضد القدس.
هذه الخطة بدأوا بتنفيذها ويجري احياؤها، فقد وضعت بعد حرب عام 1967، واحتلال الضفة وشرق القدس، وهي تعود الى عام 1994، زمن رئيس الوزراء الاسرائيلي المقتول اسحق رابين، وقد أقرها آنذاك أسحق مردخاي، المسمى بوزير الدفاع عام 1997، وكانت هذه الخطة تبرز وتصل للتنفيذ، ثم تخبو متأثرة بالموجات السياسية وتشجيع الحركة الصهيونية وقادتها، حيث زاد الاستيطان الآن في الضفة منذ اوسلو ومن خلاله ليبلغ الاستيطان أوجه وذروته دون مقاومة كافية رغم الحديث عن المقاومة الأهلية أو الشعبية، فقد قضم الاستيطان الأرض وصادرها واقام المستوطنات وسرى كالسرطان في الجسم حتى غدا الوضع على ما هو عليه الآن.
القدس الآن مهددة بالعزل التام من جهاتها الأربع وخاصة…. عن الضفة الغربية والحاق المستوطنات الأساسية بها وتوسيعها لتشمل تغيير الاسم، (القدس الكبرى) التي تزيد مساحتها عن 10% من مساحة الضفة الغربية، فماذا تبقى للدولة الفلسطينية وأين ستقوم؟ وهل هناك من لا يزال يصدق الوعود بإقامة دولة إذا كانت اسرائيل لا تنسحب من معبر واحد أو حتى فندق، كما تذكرنا مفاوضات مصر في طابا.
رغم كل مظاهر النازية من حروب ابادة وتدمير وقتل وجرائم ومخالفات للقوانين الإنسانية والدولية التي ترتكبها اسرائيل، فهناك من يراهن على النوايا الاسرائيلية وإمكانية اعطاء دولة فلسطينية، لا تقوم الاّ بموافقة اسرائيلية.
الخطة الجديدة القديمة (E1) في مناطق الغور وشرق القدس وامتداد مستوطنة معالية اودوميم ءوالخان الأحمر لانشاء مستوطنات جديدة، هي خطة رهيبة تستهدف مصادرة المنطقة (ج) من اتفاق اوسلو، وبالتالي مصادرة كل الضفة الغربية، وهو مخطط لا تبذل اسرائيل أيّ جهد في اخفائه، بل تتحدث عنه ليل نهار وتنشر خرائط على يد قادتها النازيين والمتحمسين له.
المخطط الذي لا يبقي شيئاً للفلسطينيين يتضمن انشاء 4 الآف وحدة ومنطقة استيطانية صناعية وفنادق، ومقبرة كبيرة على مساحة 13 ألف دونم، من قرى عناتا والغور وخرما، بالاضافة الى العيزرية وأبو ديس حيث الوعد الاسرائيلي في أن تكون العاصمة لفلسطين هناك وخطة تسمية اراض دولة.
المصادرة تشمل مواقع عديدة، منها مواقع سكن بدو الجهالين وامتداد ذلك في الخان الأحمر، أنه مخطط صفقة القرن ينفذ لتستكمل حلقاته في مصادرة القدس كلها وخاصة الشرقية، وايضاً مصادرة كل مناطق (ج)، وضمها ولن يبقى شيء للتفاوض، فاسرائيل بهذا تقتل كل الخطوات وتدفن اوسلو وكل الاتفاقيات وتستثمر كل ما خططت له وأخفته طوال السنوات، وتجعل الاطراف تتقاتل على فرو الدب قبل صيده.
هذه الخطة الجهنمية من يوقفها؟ هل توقفها المناشدات والشكاوي وارسال الوفود؟
الاّ تستحق القدس لقاء عربياً جامعاً يوقف نزيفها المستمر منذ احتلالها واحراق منبر مسجدها، الأقصى، حيث تشكلت منظمة المؤتمر الاسلامي التي تصوم الآن عن الكلام، وحيث يتعطل عمل لجنة القدس العليا وحيث لا احياء لقرارات أخر ثلاث قمم عربية.
ما زالت القدس مصلوبة على صليب الاحتلال تنزف ويقطع جسد هارباً ارباً وقطعة قطعة، ما زالت تهود وتسمى لغير أهلها، وما زال القتلة يمارسون أبشع اشكال العدوان في غزة والضفة الغربية، فماذا على الامة أن تفعل؟
القدس تسحب من تحت ايدي واقدام أهلها وامتها، ويفقد الأمل في تحريرها، ما دامت الأمة تعيش هذه اللحظات القاسية ولا ترد عن نفسها الخطر، وما زال صوت القدس الذي نسمعه بالأذن المجردة ونرى التمثيل في جسدها على شاشات التلفزيون يومياً.
أمتنا تجتر تاريخ القدس، والقدس بحاجة الى علاج وليس أدعية واستنكارات مجانية لأعمال الصهيونية واسرائيل فيها.
سيسجل التاريخ أنها تركت لتضيع وان لا كلفة تدفع ثمناً لها وقد تفرق ابناؤها ايدي سبأ.
لا نملك الآن الاّ أن نحيي صوت وزارة الخارجية الأردنية، ووزيرها أيمن الصفدي، فقد ظلت الحادي الذي لم يسكت ولم يخفت صوته وظلت خطوطنا الحمراء الملكية مرسومة بانتظار التحاق الأمة بكرامتها والاعلان عن أن قلبها ما زال يخفق حباً للقدس وتضحية في سبيلها.
لن نستعجل القول «العوض على الله» فما زال في الارادة بقية لدحر القدم الهمجية عن القدس وما زال هناك أجيال جديدة تؤمن بالقدس وعودتها لأمتها مهما بلغ العدوان من عتو واستكبار وتضليل، فما عدونا الاّ نمر من كرتون وعلى المشككين أن يختبروا ملمسه.
