مع تزايد التوجه العالمي نحو تصميم العلاجات وفق التركيبة الجينية للمرضى تفتح دراسة أردنية حديثة الباب أمام نقاش أوسع حول جاهزية القطاع الصحي لمواكبة هذا التحول.
وبينما أظهرت نتائج الدراسة التي اطلعت عليها «الرأي» وجود مواقف إيجابية لدى صيادلة المجتمع تجاه تطبيق علم الجينوميات الدوائية، كشفت في المقابل عن فجوات في التدريب والدعم والبنية التحتية، مما يضع الحاجة إلى استراتيجية وطنية واضحة على رأس الأولويات.
من جهته بين أستاذ العلاج الدوائي السريري الدكتور ضرار بلعاوي أن الدراسة كشفت عن وجود فجوات مهمة في جاهزية قطاع صيدليات المجتمع لتطبيق الطب الشخصي وعلم الجينوميات الدوائية، رغم وجود توجهات إيجابية لدى الصيادلة نحو تبني هذا النهج الذي يعد أحد أبرز ملامح مستقبل الرعاية الصحية الحديثة.
وأوضح الى «الرأي» أن الطب الشخصي يعتمد على مواءمة العلاج مع الخصائص الجينية لكل مريض، بما يساعد على اختيار الدواء الأنسب والجرعة الأكثر فعالية منذ البداية، ويحد من التفاعلات الدوائية الضارة والآثار الجانبية غير المرغوبة.
وأشار بلعاوي إلى أن الدراسة التي نشرت في مجلة PLOS One العلمية المحكمة، تعد الأولى من نوعها على المستوى الوطني لقياس مستوى المعرفة والجاهزية لدى صيادلة المجتمع في الأردن لتطبيق علم الجينوميات الدوائية، وشملت 347 صيدلانيا من مختلف محافظات المملكة.
وأوضح أن نتائج الدراسة أظهرت أن 83% من الصيادلة المشاركين لم يتلقوا أي تدريب رسمي سابق في هذا المجال، فيما بلغ متوسط المعرفة العملية لديهم 5.54 من أصل 10 درجات، مما يعكس الحاجة إلى تعزيز التأهيل والتدريب المتخصص لمواكبة التطورات المتسارعة في الرعاية الصحية.
وأضاف أن الدراسة كشفت في الوقت ذاته عن وجود مواقف إيجابية لدى الصيادلة تجاه أهمية علم الجينوميات الدوائية ودوره في تحسين نتائج العلاج، إلا أن هذا التوجه يصطدم بعدد من التحديات، أبرزها ارتفاع كلفة الفحوصات الجينية، ومخاوف تتعلق بخصوصية البيانات الصحية للمرضى، إضافة إلى غياب آليات واضحة لتعويض الخدمات المهنية المتقدمة المرتبطة بهذا المجال.
ولفت بلعاوي إلى أن تقييم الجاهزية العامة جاء بمستوى متوسط، فيما حصلت عناصر البنية التحتية والدعم المؤسسي على أدنى التقييمات، بما يشمل توفر الأنظمة التقنية اللازمة، ومسارات العمل السريرية المتكاملة، والدعم الإداري والتنظيمي المطلوب لتطبيق هذه الخدمات داخل صيدليات المجتمع.
وأكد أن إحدى أبرز نتائج الدراسة تمثلت في أن فجوات المعرفة والجاهزية ظهرت بشكل متشابه بين الصيادلة بغض النظر عن سنوات الخبرة أو المؤهل العلمي أو المنطقة الجغرافية، مما يشير إلى أن التحديات ذات طابع وطني وتشمل المنظومة بأكملها.
ودعا إلى تطوير استراتيجية وطنية متكاملة لتعليم علم الجينوميات الدوائية، تبدأ من المناهج الجامعية وتستمر عبر برامج التعليم والتطوير المهني المستمر، مع التركيز على بناء المهارات السريرية اللازمة لتفسير النتائج الجينية وتوظيفها في اتخاذ القرارات العلاجية.
كما شدد بلعاوي على أهمية توفير البيئة التنظيمية الداعمة لهذا التحول، من خلال تطوير مسارات عمل سريرية واضحة، وتعزيز البنية التحتية التقنية، ووضع أطر لحوكمة البيانات الصحية وحماية خصوصية المرضى، إلى جانب إيجاد آليات تمويل وتعويض مناسبة للخدمات المرتبطة بالطب الشخصي.
وأكد أن نتائج الدراسة تشكل خارطة طريق عملية لتطوير القطاع، مشيرا إلى أن الصيادلة الأردنيين يمتلكون الرغبة والاستعداد للمشاركة في هذا التحول، إلا أن نجاحه يتطلب استثمارات حقيقية في التعليم والبنية التحتية والسياسات الصحية.
واعتبر بلعاوي أن تمكين الصيادلة من تطبيق مفاهيم الطب الشخصي وعلم الجينوميات الدوائية سيعزز من جودة الرعاية الصحية في الأردن، ويسهم في تقديم علاجات أكثر دقة وأمانا وفعالية للمرضى، بما يواكب الاتجاهات العالمية الحديثة في الطب والعلاج.
