عروبة الإخباري – طلال السكر –
في مشهدٍ إعلاميّ متقلّب، يندر فيه الثبات على المبادئ وتغيب فيه الجرأة خلف العناوين الجوفاء، تظهر، الإعلامية المتميزة، باتريسيا جلاد، كأيقونة من نور، تنسج الكلمة بصدق، وتحفر الحقيقة في صخر الواقع بلا وجل.، ويمكن القول بأنها ليست مجرّد صحفية اقتصادية فحسب، بل مدرسة في النزاهة، ورمز للالتزام، وتجسيد حيّ للصحافة التي تنحاز للحقيقة وحدها.
لا شك بأن، باتريسيا، هي اسم يتردّد في الأوساط الإعلامية والاقتصادية باحترام وتقدير كبيرين. مقالاتها ليست مجرّد تقارير، بل دراسات رصينة مشبعة بالتحليل، مدعّمة بالأرقام، ومحمّلة بروح المسؤولية الوطنية. في زمن التلوّن والانحياز، بقيت جلاد وفيّة للضمير المهني، لا تكتب لتجامل، ولا تصمت لتُرضي.
تُعرف بجرأتها اللافتة، إذ لا تخشى قول الحق في وجه الفساد، ولا تتردّد في كشف مكامن الخلل مهما علت الرؤوس المتورّطة. تحترم عقل القارئ وتخاطب وجدانه، فتقدّم له مادة تجمع بين العمق الصحفي والدقّة الاقتصادية، بأسلوب سلس وقوي في آن واحد.
صاحبة القلم الرصين والجرأة المسؤولة
ما يميّز باتريسيا، ليس فقط خبرتها العميقة في القضايا الاقتصادية، بل شجاعتها في الغوص إلى جذور الأزمات، ومقاربتها للمسائل الشائكة من دون مواربة أو خوف. هي ليست مجرّد ناقلة للخبر، بل محلّلة، وناقدة، ومراقبة تضع الحقائق كما هي، من دون تجميل أو مواربة. إن جرأتها لا تأتي من تحدٍّ أجوف، بل من قناعة راسخة بأن دور الصحافة الحقيقي لا يكتمل إلا بكشف الحقائق، وفتح الملفات التي يُراد لها أن تبقى طيّ الكتمان.
مصداقية لا تُشترى ولا تُقايض
في بيئة إعلامية كثيرًا ما تتأثر بالاستقطاب السياسي والمصالح الضيّقة، استطاعت جلاد أن تحافظ على استقلاليتها ومصداقيتها، فصارت نموذجًا يُحتذى به. لا تكتب وفقًا لما يُطلب، بل وفقًا لما تمليه عليها ضميرها المهني. ولذلك، لا عجب أن تحوّلت مقالاتها في صحيفة “نداء الوطن” إلى مرجع أساسي للمتابعين، وركيزة لفهم الواقع الاقتصادي بعيدًا عن التضليل.
سواء كانت تتناول ملفات الفساد، أو تكشف الأرقام المخبّأة خلف الستار، أو تنتقد التهرّب الضريبي والتقصير في الإصلاحات، فإن أسلوبها يجمع بين السلاسة والعمق، بين الحزم والتحليل، ما يجعل من كل مقال مساحة تثقيف حقيقي، لا مجرّد قراءة عابرة.
عين على الناس… وأخرى على الدولة
ما يجعل باتريسيا جلاد قريبة من الناس، هو أنها لا تكتب من برجٍ عاجيّ، بل من بين الناس، وعنهم. هي تنقل وجع المواطن، وتترجمه بلغة تحليلية راقية، تسلّط الضوء على السياسات الخاطئة التي أنهكت الشعب، وتفضح التراخي المؤسسي الذي كبّل النمو وأغرق لبنان في أزماته المتلاحقة.
وفي الوقت نفسه، لا تكتفي بالنقد، بل تطرح البدائل، وتحثّ على الإصلاح، وتشير إلى التجارب الممكنة للخروج من الأزمة، ما يعكس حسّها البنّاء وحرصها على مستقبل هذا الوطن الجريح.
قدوة في زمن الارتباك
في المشهد الصحافي اللبناني، باتت باتريسيا جلاد بمثابة بوصلة للصحافة الرصينة. حضورها المهني لا يقوم على الصخب ولا الاستعراض، بل على رصيد من الثقة والاحترام اكتسبته على مدى سنوات من الالتزام والنزاهة والتميّز. وهي بهذا المعنى، لا تمثّل فقط نموذجًا يُحتذى به في الصحافة الاقتصادية، بل أيضًا مصدر إلهام للصحفيين الشباب الذين يبحثون عن معنى الصحافة الحقيقية.
الصحافة، كما تراها باتريسيا جلاد، ليست مهنةً للعيش، بل قضية للحياة. هي تؤمن بأن القلم يمكن أن يكون سيفًا في وجه الفساد، وشمعة في درب الإصلاح. ومن خلال مقالاتها وتحقيقاتها، أثبتت أن الشجاعة لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى صدقٍ والتزام.
في عالمٍ تكثر فيه الضبابية، باتريسيا جلاد، تكون هي النور، وفي وطنٍ يئنّ تحت وطأة الانهيار، هي الصوت الذي لا يرضى بالصمت، والقلم الذي لا يعرف المساومة.
