من أجمل الآيات القرآنية في فضل رب العالمين على جدنا، جدّ البشرية وجدّ الأنبياء الإبراهيمية، سيدنا آدم، عليهم السلام أجمعين، ما جاء ذكره في القرآن الكريم: وعلّم آدم الأسماء كلها.
بنى عدد من الفلاسفة والحكماء، وليس فقط دارسي اللاهوت في عدة ديانات، بنوا على هذه القاعدة الذهبية، ما يعدل حجر الزاوية، في البناء المعرفي والروحي للإنسان، حتى وإن غاب عنه التعرف على المصدر الأساسي لكل ما ظن معرفته، أو أقر بجهله.
العلم والمعرفة والحكمة والفضيلة كلها نورٌ يشع من مصدر نوراني واحد، هو رب الأرباب، سبحانه. ما كان لحضارة أن تقوم أو عيش أن يدوم ويهنأ إلا بمعرفة تلك «الأسماء» التي قد تكتسب تسميات مختلفة عبر التاريخ والحضارات واللغات، لكن فكرتها الأساسية، من حيث الجوهر، واحدة.
في العصر الحجري، عرف بنو آدم معاني وأسماء من ضمنها، إدراك الأبعاد وفهم قانونها. الحادة منها والمدوّرة. فكانت الأولى للقطع. والثانية، للوصل والاستدامة والتمام. ما زالت الدائرة رمزا للكمال والديمومة، إلى ما للنهاية. وما زالت العجلة، أم الاختراعات الميكانيكية والديناميكية على الأقل. لن يسقطها أبدا، عاجز عن فهم الكمال، أو ناكر لفضله. كذلك كان فهم الأوزان قبل قرون من سقوط تلك التفاحة التي قدحت شرارة الاستنباط والاختراع في دماغ إسحق نيوتن، فعرفت البشرية من بعده سرا من أسرار الخلق، ألا وهو قانون الجاذبية، كجزء لا يتجزأ من الناموس الأعظم الذي وضعه خالق الخلق أجمعين سبحانه، حتى لا يكون شيء بعده، كما لم يكن قبله أو معه شيء.
للتعامل مع الأوزان، لاسيما تلك التي أثقلت كاهل الإنسان الأول في العصر الحجري، تم ابتكار الشاقولة أو الروافع التي تطورت مع الثورة الصناعية حتى صارت تعرف بالإنجليزية بالـ «كرين»، الموافقة في لفظها مع كلمة «البين» كما في مصطلح «غراب البين»! ترمب، المقاول والمطور العقاري وصانع الصفقات، قبل أن يدخل عالم السياسة ودنيا واشنطن دي سي، يحب ثلاثا يعرفها البنّاؤون جيدا عبر التاريخ، على اختلاف تسمياتها: المِطرقة «هامِر»، المَهدَّة «رِكِنْغْ بول»، والرافعة «كْرين». تلك الأخيرة من علامات تشييد ما ارتفع وتطاول من البنيان، إلى حد تسميته بناطحات السحاب «سكاي سْكريبر». صارت المدن تتباهي بتلك الصورة البانورامية التي لا يخدش جمالها وانسجامها عديد الرافعات، كونها مؤقتة، سرعان ما تتم مهمتها على أكمل وجه، فتزيد المشهدية العمرانية، نماء وازدهارا.
وحدها إيران، إيران التي هددها ترمب بإعادة «نظامها إلى العصر الحجري الذين ينتمي إليه»، وحدها من بين أمم الأرض وعبر التاريخ، التي تفتق ذهن «عسس» على إضافة استخدام صادم في شره، ألا وهو استخدام الرافعات لتنفيذ عمليات الإعدام شنقا، بعد ما يسمونها محاكمات «شرعية»! لإشهار العقاب لغايات ردع أكبر عدد ممكن من شهود العيان! كلما ارتفع «الكرين»، زاد الجمهور، وصارت الصورة أكثر ترويعا لا ردعا، أكثر تشهيرا ليس في «المجرم المدان» بل بأهله وعشيرته وبلدته، وللأسف -وهذا ما يؤثر على صورة أكثر من مليار مسلم- ألا وهي الإساءة إلى الدين الحنيف، فتلك الصور لطالما نشرت على مواقع معنية بالدراسات الإسلامية والشرق أوسطية، في أهم مراكز البحث التي هي من ضمن صناع القرار في العالم.
إنه «كرين غراب البين» لا أسف عليه إن غاب من الداخل أو بتداعيات «الغضب الملحمي»، وعادت الحضارات العريقة التي تشكل ما يعرف الآن باسم «الجمهورية الإسلامية في إيران» تلك الغرابيب السود تعرف بالبين، لتفريقها بين الأحباء والأهل وأبناء الوطن الواحد، بما ارتبط ظهورها من نذير شؤم من حيث القتل والخراب والفوضى.
«من ثمارهم تعرفونهم» كما علّم السيد المسيح، ذلك هو المعيار الذهبي الذي تعرف البشرية مستخدم «الكرين» إن كان بنّاءً أم هدّاما..
