لا يوجد في منطقتنا دولة محصنة من التهديد ومحاولات العبث، نحن أمام “جرافات” سياسية تتحرك في كل اتجاه ؛ تشق الطرقات كما تشاء ، وتعيد رسم الخرائط والأدوار ، تماماً كما فعل سايكس بيكو قبل نحو 100 عام .
الأخطر أن عملية التقسيم والتجزئة لا تتعلق ،فقط ، بالجغرافيا و ترسيم الحدود ،كما حصل سابقاً ، وإنما بتقسيم الوجدان العربي والوطني، جراحات ودمامل العقود المنصرفة في كل دولة تفجرت وحولت بلداننا إلى جزر معزولة ، تتبادل العداوات ، حركة المال الأسود الذي موّل المليشيات اصبح يتحرك ،الآن ، لتمويل الصراعات والعبث بوحدة المجتمعات : إسرائيل حاضرة في المشهد ،تديره ،في تقديري ، بمنتهى الدهاء.
هل نحتاج إلى نقاش وطني عام حول تحديات المرحلة القادمة ومخاطرها على بلدنا؟ أكيد نعم ، من الجهة التي يُفترض أن تتولى إدارة هذا النقاش ، الأحزاب السياسية مثلا ؟ أين هي الأحزاب السياسية ، هل سمعتم لها صوتا ، اقصد حضورا فاعلاً وحقيقياً في مشهدنا العام ، منذ نحو عامين ، أقصد يوم الانتخابات (15 /9) ؟
في وقت مضى ، تساءلت عن الشخصيات الوطنية ( كبار البلد ) كما يحلو أن يسميهم البعض، تساءلت ،أيضا، عن “الجماعة الوطنية” والنخب السياسية التي اقتسمت الغنائم، وما تزال ، تساءلت عن مراكز الدراسات والجامعات والوسائط الاجتماعية ، قلت : لا بد أن يقول هؤلاء كلمهم فيما يواجهنا من أحداث ، وما ينتظرنا من استحقاقات ، للأسف معظمهم اختفوا وغابوا عن المشهد ، أو انشغلوا بالتصفيق، أو تقاسموا وجبات الجاهات والموائد، بعضهم اعتزل بدافع الحرد أو انتظار دعوات الاستشارة، قليلون آثروا الصمت حفاظاً على هيبتهم وكرامتهم، أو لأن صوتهم لم يعد مسموعاً ولا مقبولاً.
ما علينا ، لدينا مشروع تحديث سياسي انتج أحزاباً وصلت للبرلمان ، توزعت عليها بعض المناصب الحكومية، وبدأ بعضها بتصحيح مساراته، قلت : تصحيح ، واقصد إعادة تدوير وفق الوصفات الجاهزة ذاتها ، ما علينا أيضاً، الآن لا يمكن أن نستمر في الاتجاه الخطأ، ولا يجوز أن نبقى ننتظر لأربع سنوات قادمة نعيد انتاج 50 نائبا حزبيا بذات النسخة.
تقع على عاتق الأحزاب الوطنية التي تؤمن بالأردن ، كما يُفترض، مسؤولية إدارة النقاش العام ، لكن هل هي مؤهلة لذلك ؟ ربما لا ، لأسباب عديدة مفهومة، ما البديل إذاً؟ العشائر مثلا ؟ ألم نصمم مسار التحديث السياسي لتجاوز هذا الإطار الاجتماعي نحو تحول ديمقراطي يضع السياسة على سكتها الصحيحة ؟ المطلوب ،إذاً، أن ندفع هذه التجربة للأمام ، ونرفع الوصايات عنها، ويتحرر أصحابها من حسابات المصالح الذاتية ، والامتدادات الخارجية ، هذا ممكن وضروري طبعا، واجب الدولة أن تساعد في ذلك ، ومسؤولية النخب الحزبية أن تخرج من بياتها الشتوي ، وتتحدث باسم الأردنيين وتتواصل معهم، إذا لم ننجح في ذلك فإن النتيجة هي “الفشل “، وبلدنا لا يتحمل هذا الثمن أبدا.
رجاءً ، أيها الحزبيون لا تخذلوا الأردنيين ، أقل الواجب أن تفتحوا أبواب أحزابكم أمامهم، وأن تديروا معهم ، في إطار معركة الوعي على الأردن ومن اجله ، ما يلزم من نقاشات وطنية تأخذ بلدنا ،في هذه الظروف الصعبة ، إلى سكة السلامة ، وتخرجنا من دائرة الصمت والانتظار، إلى الحركة والفعل والإنجاز.
6
