هناك مدن لا تسكنها في الذاكرة فحسب، بل تسكنك أنت. مدن كلما ابتعدت عنها حملتَ منها شيئًا لا يُرى: صوتًا، ورائحة بيت، ووجهًا قديمًا، ودفء أناس لم تغب عنهم وإن غبت. وحين تعود إليها، لا تكون عائدًا من سفر، بل عائدًا إلى جزء منك ظلّ هناك ينتظرك.
هكذا تبدو إربد في حكاية إيمان العكور؛ ليست مدينةً شهدت البدايات فحسب، ولا مكانًا عابرًا في سيرة إعلامية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، بل بيتًا أولًا ظل حاضرًا في الوجدان مهما اتسعت الجغرافيا. ولذلك لم يكن التكريم هذه المرة احتفاءً بإعلامية عرفت طريقها إلى الشاشات والعواصم، بقدر ما كان لحظة استرداد للذاكرة، ولقاءً بين امرأة حملت حكايات الوطن إلى العالم، ومدينة قررت في مساء دافئ أن تروي حكايتها هي.
وفي تلك اللحظة، حين تتراجع الأضواء وتقترب القلوب، يصبح التكريم شيئًا آخر: يصبح اعترافًا لا يُكتب في شهادة، ومحبة لا تختصرها الكلمات، وعودةً إلى البيت… حيث لا يحتاج الإنسان إلى أن يعرّف بنفسه، لأن المكان يعرفه، والناس يتذكرون أثر خطاه.
وكانت الإعلامية القديرة إيمان العكور، قد كتبت على صفحتها الخاصة بموقع الفيسبوك، إربد… حين يصبح التكريم عودة إلى البيت.
أمس، لم أكن في ندوة ثقافية فحسب… كنت في حضن إربد.
على مدى أكثر من ثلاثين عامًا في الإعلام، وقفت أمام الكاميرات، ورافقت أحداثًا وشخصيات، وحظيت بتكريمات كثيرة أعتز بها. لكن ما شعرت به أمس في مدينتي التي أعشقها، وبين أهلي ونخبة من رجال وسيدات لواء بني عبيد، كان شيئًا مختلفًا تمامًا.
كنت أظن أنني ذاهبة لأتحدث عن تجربتي الإعلامية والإنسانية، فإذا بي أجد نفسي أستمع إلى كلمات عني لم أكن أتوقعها، وإلى محبة أكبر من قدرتي على التعبير.
بعض الكلمات أخجلتني… وبعضها أبكاني.
وللمفارقة، كنت قد حضرت للقاء جيدًا، ورتبت أفكاري ومحاوري، لكن كل ما أعددته تلاشى أمام دفء الحضور. تحولت الندوة إلى أمسية عائلية عفوية، ضحكنا فيها، واستعدنا الحكايات، وتحدثنا من القلب إلى القلب.
وربما كانت تلك أجمل طريقة للحديث عن السردية الأردنية!
فقد جئت لأقول إن السردية ليست مصطلحًا جديدًا نعلقه على إنجازات قديمة، وليست خطابًا نردده حتى نحفظه. إنها حكاية الأرض والإنسان، وحكاية الذين بنوا هذا الوطن، بعضهم أمام الكاميرات، وكثيرون بعيدًا عنها.
تحدثت عن رحلتي مع الكلمة، من مكتبة أبي في إربد إلى الإعلام والتغطيات السياسية والملكية في عواصم العالم. وعن تلك التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي تبقى في الذاكرة أحيانًا أكثر من الأحداث الكبرى.
وتحدثنا عن المرأة الأردنية، التي لا أريد لها أن تبقى في امتحان دائم لإثبات قدرتها، ولا أن يُختزل حضورها في شعار التمكين، بل أن تُتاح لها الفرصة العادلة لتصنع أثرها وتشارك في القرار.
وكان وجود سيدات بني عبيد المكرّمات إلى جانبي أجمل تجسيد لهذه الفكرة. نساء صنعن أثرًا حقيقيًا في مجالات متعددة، وأثبتن أن التاريخ لا يكتبه أصحاب المناصب وحدهم، بل يكتبه أيضًا الذين يتركون شيئًا من أنفسهم في حياة الآخرين.
أما العمل الإنساني، فقد علّمني أن الخبر الكبير ليس دائمًا ما يتصدر نشرات الأخبار. أحيانًا يكون طفلًا يستعيد بصره، أو أمًا يعود الأمل إلى عينيها، أو أسرة تتغير حياتها لأن أحدًا لم يتركها وحدها.
وهذه هي السردية التي أؤمن بها… الإنسان أولًا، والإنجاز قبل الشعار، والأثر قبل الألقاب.
كل الشكر والامتنان للقائمين على برامج لواء بني عبيد الثقافي، ولوزارة الثقافة ومديرية ثقافة إربد، وللدكتور ثائر عاشور، ولكل من أسهم في تنظيم هذا اللقاء، ولكل من حضر ومنحني من وقته ومحبته وكلماته ما سيبقى معي طويلًا.
والشكر لمعالي المهندس أنمار فؤاد الخصاونة على رعايته الكريمة، ولكل السيدات اللواتي تشرفت بأن أكون بينهن.
أما إربد…
فقد أخذتني الحياة منها إلى أماكن كثيرة، لكنني اكتشفت أمس أن بعض المدن لا نعود إليها لنزورها، بل لنستعيد جزءًا من أنفسنا.
شكرًا إربد… بالأمس لم أشعر أنني مُكرّمة بقدر ما شعرت أنني عدت إلى بيتي










