إقليم واحد وأمن لا يتجزأ
لم يعرف الشرق الأوسط منذ عقود لحظةً تتشابك فيها أزماته كما هي اليوم. غير أن المعضلة الأعمق لا تكمن في تعدّد بؤر التوتر، بل في منطقٍ حكم المنطقة طويلاً: إن كل طرف يستطيع أن يبني أمنه على حساب الآخرين. والنتيجة أن الجميع بات أقل أمناً. ولم تغب عن المنطقة مبادرات التنسيق والتعاون، لكنها لم ترتقِ إلى منظومة أمنٍ إقليمي حقيقية، بسبب التنافس بين القوى الإقليمية، وعدم الفصل بين القضايا الاستراتيجية المشتركة والخلافات الثنائية، فكان الخلاف على ملفٍ جانبي كفيلاً بتعطيل التعاون في قضايا مصيرية. إننا أمام إقليمٍ تتداعى أزماته على بعضها، والأمن فيه لم يعد يحتمل أن يُجزَّأ.
ثلاث تحوّلات بنيوية
الأول: عدم جدوى نموذج “إدارة الصراع”. راهن كثيرون على أن تجميد القضية الفلسطينية ممكن، وأن الاستقرار يُشترى بالتأجيل. لكن الأحداث في غزة أثبتت أن التأجيل لم يُنتج سوى جولاتٍ أشد كلفة على الجميع، فلسطينيين وإسرائيليين وشعوب المنطقة كلها، وأن حلّ الدولتين يتآكل على الأرض يوماً بعد يوم.
الثاني: صراع المشاريع وفراغ النظام الإقليمي. مشاريع إقليمية ودولية متنافسة تملأ الفراغ حيث تجده، بمنطق المعادلة الصفرية، وتتغذّى على هشاشة الدول وتحوّلها إلى ساحات.
الثالث: تآكل الثقة بالقانون الدولي. حين تُطبَّق القواعد انتقائياً، لا يخسر الضعفاء وحدهم، بل يخسر النظام الدولي شرعيته، ويخسر الجميع المرجعية التي تحمي الاستقرار.
من إدارة الصراع إلى إدارة الاختلاف
إذا كان نموذج “إدارة الصراع” قد أثبت فشله، فإن البديل ليس الحسم العسكري، بل الانتقال إلى “إدارة الاختلاف”. فالحروب لا تصنع حلولاً، بل تؤجّل الأزمات وتعمّقها، وتوزّع المعاناة على الجميع دون استثناء: شعوبٌ تُهجَّر، واقتصاداتٌ تُستنزف، وأجيالٌ تنشأ على الخوف والثأر، وحتى الأقوى عسكرياً يخرج منها أقل أمناً مما دخلها. إدارة الصراع تفترض خصماً يجب احتواؤه أو إخضاعه، وتنتهي عادةً إلى الجولة التالية. أما إدارة الاختلاف فتنطلق من أن تباين المصالح واقعٌ دائم، وأن المطلوب ضبطه بقواعد مشتركة: الاعتراف المتبادل بالحقوق، واحترام السيادة والقانون الدولي، وقنوات حوار لا تنقطع عند كل أزمة. وبهذا المنطق، لن تحقق إسرائيل أمناً مستداماً بالتفوق العسكري وحده ما دام الفلسطينيون محرومين من دولتهم، ولن يستقر الخليج وجواره دون قواعد تعايش واضحة بين ضفتيه، ولن تنهض دولٌ أنهكتها الحروب ما لم تُحترم سيادتها. إدارة الاختلاف لا تستقيم إلا على العدالة، ولذلك فإن الدولة الفلسطينية ليست عقبةً أمام الاستقرار الإقليمي، بل شرطه الأول.
النموذج الأردني: الدولة المحورية بين الواقعية والثوابت
يقدّم الأردن نموذجاً لدولةٍ محدودة الموارد، محاطة بالأزمات، حوّلت موقعها من عبءٍ جغرافي إلى رصيدٍ سياسي. ويقوم نهجه على “الصبر الاستراتيجي المحكوم بخطوط حمراء”: انفتاحٌ على الجميع، ووساطةٌ حيث تمكن، وتهدئةٌ حيث يمكن احتواء التصعيد، دون مرونةٍ في الثوابت: رفض التهجير والوطن البديل، والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وأمن الحدود والمياه، وعلاقات حسن الجوار. وسرّ فاعلية هذا النهج هو رأس المال الائتماني الذي راكمه الأردن: دولةٌ متّسقة في خطابها، تفي بالتزاماتها، وتقرن القول بالفعل، وتتحدث إلى الجميع بلغة واحدة. وهذا ما يمنح موقفها وزناً يتجاوز حجمها المادي، ويجعلها شريكاً موثوقاً لدى القوى الكبرى والمؤسسات الدولية.
خطاب الأمم المتحدة: إعادة تأطير القضية
لم تكمن أهمية خطاب جلالة الملك أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في مضمونه وحده، بل في إعادة التأطير التي أحدثها. فقد نقل القضية الفلسطينية من خانة “المأساة الإنسانية” إلى خانة “اختبار النظام الدولي”، وسمّى الممارسات بتوصيفاتها القانونية بدل تمييعها، ورفض تصوير الصراع حرباً بين أديان، مؤكداً أنه قضية حقوق متساوية لشعبٍ مسلمين ومسيحيين. وذكّر بأن مبادرة السلام العربية عرضت السلام والتطبيع الشامل مقابل الدولة الفلسطينية، فالمشكلة لم تكن يوماً في غياب اليد الممدودة. وفي الوقت ذاته، قدّم الخطاب الأردن طرفاً ذا مصلحة أمنية مباشرة، حين ربط أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي بالأمن الوطني، وأكّد أن تفضيل الدبلوماسية لا يعني الضعف. إنها لغة دولةٍ تعرف حدود قوتها، لكنها تعرف أيضاً حدود صبرها.
أمن الدول وأمن الإقليم: معادلة الهندسة المتغيرة
من الواقعية الإقرار بحق كل دولة في حماية أمنها بما تراه، بما في ذلك التحالفات والمعاهدات. لكن المظلات الخارجية تخضع لحسابات أصحابها، والتحالفات المتقابلة كثيراً ما تُنتج سباقاً لا ينتهي. والحلّ ليس المفاضلة بين الأمن الوطني والأمن الجماعي، بل منطق “الهندسة المتغيرة”: نواةٌ من الدول الأكثر تقارباً، في مقدمتها الدول العربية بعد ترتيب بيتها الداخلي، تبني ترتيبات عملية قابلة للتوسع، بحيث تكمّل التحالفات الثنائية المنظومة الإقليمية ولا تحلّ محلها.
نحو منظومة أمن إقليمي
إن الخروج من هذه الدوامة يتطلب إطاراً إقليمياً للأمن والتعاون، على غرار أقاليم أخرى تجاوزت حروبها، يقوم على احترام السيادة وعدم التدخل ورفض تغيير الحدود بالقوة وحلّ النزاعات بالطرق السلمية. ولا يمكن لهذا الإطار أن يقوم دون حلٍّ عادل للقضية الفلسطينية يشكّل مدخله الطبيعي. ويحتاج هذا الإطار إلى أدوات تحميه من الانهيار عند أول أزمة: قنوات اتصال دائمة، وقواعد لأمن الملاحة، وآليات إنذار مبكر تحتوي التوتر قبل انفجاره. غير أن الضامن الأقوى للاستقرار يبقى الترابط الاقتصادي؛ فشبكات الطاقة والمياه والنقل من الخليج إلى المتوسط تجعل استقرار كل دولة مصلحةً مباشرة لجيرانها، والأردن بحكم موقعه واستقراره مؤهّل ليكون مركزها الطبيعي. ويبقى ذلك كله مرهوناً بدولٍ متماسكة من الداخل، فالتنمية والحوكمة وتمكين الشباب ومواجهة خطاب الكراهية هي خط الدفاع الأول أمام التطرف والتدخلات. وعلى المستوى الدولي، تبرز الحاجة إلى أن تتقدّم المجموعة العربية، بالشراكة مع الدول الساعية إلى نظام دولي أكثر عدلاً، بمشروع قرار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة يعتمد مبادئ خطاب جلالة الملك خارطة طريق لإصلاح مؤسسات المنظمة وإعادة الثقة بالقانون الدولي: تطبيق القواعد بمعيار واحد على الجميع، ومتابعة جادة لتنفيذ القرارات، ومعايير موضوعية لتفعيل أدوات المساءلة، وإبقاء الأزمات الممتدة حاضرة على جدول الأعمال الدولي، وحماية الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات في القدس.
من ردّ الفعل إلى صناعة المستقبل
لا منتصر في حروب الشرق الأوسط، بل خاسرون بدرجات متفاوتة. والخيار اليوم ليس بين القوة والضعف، بل بين دوامةٍ تعيد إنتاج نفسها، ومنظومةٍ تدير الاختلاف بالعدل والقانون. وكما نبّه جلالة الملك، فإن المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله؛ واستقرار هذه المنطقة هو أكثر ما لا يحتمل التجاهل.
