كشفت الحروب والمواجهات الأخيرة عن مستوى متقدم من القدرات الأمنية والتكنولوجية الإسرائيلية، ظهر في حجم الاختراقات التي تعرض لها خصوم إسرائيل، وفي الوصول إلى قيادات بارزة في محور الممانعة واغتيال عدد منها. وبالرغم من أن النقاش ما يزال مفتوحاً حول العامل الحاسم في هذه الاختراقات؛ هل هو العنصر البشري والعمل الاستخباري التقليدي أم التكنولوجيا المتقدمة، فإن المؤكد أن إسرائيل راكمت خلال العقود الأخيرة قدرات كبيرة في الاستخبارات الإلكترونية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
ولعل برنامج بيغاسوس (Pegasus)، الذي طورته شركة NSO Group الإسرائيلية، أحد الأمثلة المعروفة عالمياً، بعدما بيعه إلى دول وحكومات مختلفة واستخدم في اختراق الهواتف الذكية والتجسس عليها. وبعيداً عن الجدل السياسي والقانوني والأخلاقي الذي أثاره، فإنه يكشف عن العلاقة الوثيقة بين الخبرة العسكرية والاستخبارية من جهة، وصناعة التكنولوجيا والقطاع الخاص من جهة أخرى.
بالضرورة، لم تصل إسرائيل إلى هذه القدرات بالمصادفة، ولا يمكن تفسيرها فقط بالتقدم العلمي والتكنولوجي؛ فهنالك مسار طويل تفاعلت فيه الدولة والجيش والاستخبارات والجامعات ورجال الأعمال والهجرة والثقافة والعلاقات الخارجية. لذلك فإن دراسة هذا النموذج عربياً لا تعني الإعجاب به أو الدعوة إلى استنساخه، وإنما فهم مصادر قوة الخصم والكيفية التي يبني بها هذه القوة ويطورها.
يوضّح هذه القصة كتاب (صدر عام2009) «أمة الشركات الناشئة: قصة المعجزة الاقتصادية الإسرائيلية» لدان سينور وشاؤول سينغر، أما الخلاصة الأهم في الكتاب فتتمثل في أنّ الإجابة لا تكمن في عامل واحد؛ فلا التعليم وحده يفسر ذلك، ولا الجيش أو الثقافة أو الهجرة أو التمويل، وإنما الطريقة التي تفاعلت بها هذه العوامل معاً، فما أطلق عليه المؤلفان Start-Up Nation لم يكن قصة اقتصادية فقط، بل شبكة تربط الجيش والأمن والاستخبارات بالتكنولوجيا، والجامعات برجال الأعمال ورأس المال المغامر، ضمن ثقافة تشجع المبادرة والمخاطرة، وعقيدة صهيونية ربطت بين التفوق العلمي والتكنولوجي وبين القوة والبقاء.
يحتل جيش الاحتلال موقعاً مركزياً في هذه المعادلة؛ فالخدمة العسكرية تتحول، وفقاً للكتاب، إلى مدرسة مبكرة لاكتساب مهارات القيادة واتخاذ القرار والعمل تحت الضغط وحل المشكلات. وبعد انتهاء الخدمة ينتقل قسم من هؤلاء الشباب إلى القطاع التكنولوجي حاملين معهم الخبرة وشبكات العلاقات. وتبرز هنا الوحدة 8200 الاستخبارية، التي خرج منها عدد كبير من العاملين ورواد الأعمال في التكنولوجيا والأمن السيبراني؛ من هنا تصبح العلاقة دائرية: الجيش ينتج الخبرة ورأس المال البشري والتكنولوجي، وينتقل جزء منه إلى السوق، ثم تقوم الشركات بتطويره وتحويله إلى منتجات وتقنيات جديدة؛ أي أننا أمام ما يمكن وصفه بـ «مركّب أمني – تكنولوجي – اقتصادي»، وليس مجرد صناعة عسكرية بالمعنى التقليدي.
يناقش الكتاب، أيضاً، العامل الثقافي، الذي يختصره بمفهوم Chutzpah؛ أي الجرأة على الاعتراض والمبادرة وعدم التعامل مع التسلسل الهرمي بوصفه أمراً مقدساً، وهي بيئة يرى المؤلفان أنها تشجع التجريب والمخاطرة والابتكار.
من المهم، في المقابل، الحذر من النبرة الاحتفائية الموجودة أحياناً في الكتاب؛ فالثقافة وحدها لا تصنع هذا النجاح. الدولة كانت حاضرة بقوة، كما حدث مع برنامج يوزما (Yozma) في التسعينيات، عندما تدخلت الحكومة للمساعدة في تأسيس صناعة رأس المال المغامر وجذب المستثمرين الأجانب، كما استفادت إسرائيل من موجات الهجرة، خصوصاً من الاتحاد السوفييتي السابق، بما حملته من علماء ومهندسين.
ثم إنّ الكتاب لا يمنح وزناً كافياً للعلاقة الاستراتيجية الاستثنائية مع الولايات المتحدة، ليس فقط من خلال المساعدات العسكرية والاقتصادية، بل أيضاً عبر الارتباط بالجامعات والأسواق والاستثمارات ووادي السيليكون والشبكات اليهودية العالمية. لذلك فإن «المعجزة» التي يتحدث عنها لم تكن قصة إسرائيلية محلية خالصة.
