في حضرة الشهداء، تصمت الكلمات احترامًا، وتتراجع الحروف أمام عظمة التضحية. فهناك رجالٌ لا تُقاس أعمارهم بالسنوات، بل بما تركوه من أثرٍ في وجدان الوطن. وهناك أرواحٌ لا ترحل، لأنها تصبح جزءًا من ذاكرة الأرض، ومن نبض الأجيال، ومن حكاية لبنان الذي أحبوه حتى آخر لحظة.
في ذكرى شهداء الجيش اللبناني، نقف بخشوع أمام قاماتٍ شامخة حملت راية الوطن في أصعب المراحل، وحملت معها عهدًا لا يُكسر: أن يبقى لبنان حرًا، عزيزًا، مصانًا. كانوا أبناء هذا التراب، من جباله وسهوله وسواحله، جمعهم قسمٌ واحد، وهدفٌ واحد، وهو أن يبقى الوطن فوق كل اعتبار.
أيها الشهداء الأبرار…
يا من تركتم خلفكم بيوتًا تنتظر خطاكم، وأمهاتٍ تحمل صوركم في قلوبهن قبل أيديهن، وآباءً يفتخرون بأن أبناءهم اختاروا طريق الشرف، وأبناءً كبروا على حكايات البطولة والوفاء… أنتم لم تغادروا الوطن، بل أصبحتم جزءًا من روحه. أنتم في صوت العلم حين يُرفع، وفي نشيد الجيش حين يصدح، وفي دعاء كل لبناني يؤمن بأن التضحية هي الطريق إلى الكرامة.
لقد عرفتم معنى الانتماء الحقيقي؛ لم يكن الوطن بالنسبة إليكم مجرد حدودٍ على خارطة، بل كان بيتًا كبيرًا اسمه لبنان، يستحق الحماية والرعاية والفداء. حملتم السلاح لا طلبًا للمجد، بل دفاعًا عن الأمان، ووقفتم في وجه العواصف كي تبقى راية لبنان مرفوعة فوق أرضه.
يا شهداء الجيش اللبناني…
أنتم الينابيع التي لا تجف، والنجوم التي لا تنطفئ. كل عامٍ تمر فيه ذكراكم، يزداد حضوركم رسوخًا، لأن الأوطان لا تنسى من بذلوا أرواحهم من أجلها. قد يغيب الجسد، لكن البطولة تبقى، وقد يسكت الصوت، لكن صدى المواقف العظيمة يبقى حاضرًا في كل زمان.
إن الوفاء لكم ليس يومًا في السنة، بل عهدٌ دائم. عهدٌ بأن نحفظ صورة لبنان التي حلمتم بها، لبنان الوحدة والكرامة والسيادة، لبنان الذي يجمع أبناءه ولا يفرقهم، لبنان الذي يقدّر تضحيات من حموا أرضه ورفعوا اسمه عاليًا.
في هذه الذكرى، ننحني أمام أمهات الشهداء وآبائهم وعائلاتهم، أمام من حملوا ألم الفقدان وتحولوا به إلى قوة وفخر. لهم منا سلامٌ بحجم تضحياتهم، وتحيةٌ بحجم صبرهم، لأنهم قدّموا للوطن رجالًا سيبقون خالدين في صفحات المجد.
وسيظل الجيش اللبناني رمزًا للعطاء والانتماء، وسيظل شهداؤه مشاعل تضيء الطريق للأجيال القادمة. فالأوطان لا تُحفظ بالكلمات فقط، بل برجالٍ صدقوا العهد، وحملوا المسؤولية، وكتبوا أسماءهم بحروفٍ من نور على صفحات التاريخ.
المجد والخلود لشهداء الجيش اللبناني.
المجد لمن جعلوا من التضحية وسامًا، ومن الواجب شرفًا، ومن حب الوطن رسالة حياة.
سلامٌ على أرواحكم الطاهرة…
وسلامٌ على لبنان الذي سيبقى وفيًّا لمن أعطوه أغلى ما يملكون.
