الدكتورة عبير الجلاد –
لنكن صريحين… كم مبادرة أُطلقت؟ وكم مؤتمر عُقد؟ وكم توصية كُتبت ثم انتهت في الأدراج؟
هذا السؤال مشروع، بل واجب، لأن المواطن لم يعد يبحث عن عناوين براقة، بل عن أثر يلمسه في حياته وحياة أبنائه. لكن وسط هذا المشهد، تبرز مبادرة “صحتي في مدرستي” باعتبارها مشروعًا وطنيًا مختلفًا، يستحق التوقف عنده، ليس لأنه يحمل اسمًا جديدًا، بل لأنه انطلق من أكثر الملفات حساسية وأهمية: صحة الطالب الأردني.
ولا يمكن الحديث عن تعليم ناجح في مدارس تفتقر إلى بيئة صحية متكاملة. فالصحة ليست خدمة مرافقة للتعليم، بل هي حجر الأساس الذي يقوم عليه كل مشروع تربوي حقيقي. فلا تعليم بلا صحة، ولا مستقبل بلا طالب يتمتع بجسد سليم وعقل متزن.
الحقيقة التي لا يجوز القفز عنها أن المدرسة ليست مكانًا لتدريس الرياضيات والعلوم واللغة العربية فقط، بل هي المصنع الحقيقي الذي يتشكل فيه الإنسان. وإذا كان هذا الإنسان يعاني من سوء التغذية، أو الضغوط النفسية، أو بيئة مدرسية غير آمنة، فإن الحديث عن جودة التعليم يصبح مجرد ترف لغوي لا يلامس الواقع.
من هنا جاءت قوة هذه المبادرة. فهي لم تبدأ من العلاج، بل من الوقاية. لم تنتظر المرض حتى تتحرك، بل ذهبت إلى جذور المشكلة، واضعةً رؤية متكاملة تقوم على التوعية الصحية، والكشف المبكر، وتعزيز الصحة النفسية، والتغذية السليمة، والنشاط البدني، والسلامة العامة. وهذا هو الفارق بين مشروع يعالج النتائج، ومشروع يصنع المستقبل.
والمؤتمر الوطني الذي انطلق برعاية معالي وزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة، كان رسالة واضحة بأن الدولة تدرك أن التعليم والصحة وجهان لعملة واحدة، وأن أي إصلاح تربوي يفقد قيمته إذا غابت عنه الرعاية الصحية الشاملة.
والأهم أن المبادرة لم تُغلق أبوابها داخل مؤسسة واحدة، بل فتحتها أمام الجميع؛ وزارات، ومستشفيات، ومختبرات، وشركات تأمين، وشركات أدوية، ومؤسسات مجتمع مدني، وإعلام. وهذا هو النموذج الذي يحتاجه الأردن؛ أن تعمل المؤسسات معًا ضمن رؤية وطنية واحدة، بعيدًا عن الجهود المتفرقة.
لقد أثبت القائمون على المبادرة أن العمل الوطني لا يُقاس بعدد المؤتمرات أو التصريحات، بل بحجم الشراكات التي تُبنى، وبرؤية واضحة قابلة للتنفيذ. ونجح الأستاذ الدكتور علاء الزعبي، والدكتور شاهر الشطناوي، والدكتورة عبير الجلاد، ومعهم جميع الشركاء، في تحويل مفهوم المسؤولية المجتمعية من شعار يُرفع في المناسبات إلى مشروع مؤسسي مستدام، يؤمن بأن صحة الطالب ليست ملفًا ثانويًا، بل قضية وطنية بامتياز.
كما أن الشراكة الفاعلة للمؤسسة العامة للغذاء والدواء تؤكد أن الاهتمام بصحة الطلبة يبدأ من التفاصيل الصغيرة. فالمقصف المدرسي ليس مشروعًا تجاريًا، بل جزء أصيل من المنظومة التربوية، وكل وجبة صحية تُقدَّم فيه هي استثمار في مستقبل طالب، وكل رقابة تُمارس عليه هي حماية لجيل كامل.
ومن أبرز ما حملته المبادرة إطلاق جائزة المدرسة الصحية النموذجية الأردنية، وهي خطوة ذكية تنقل المدارس من مرحلة الالتزام بالحد الأدنى إلى مرحلة التنافس على التميز، وتجعل الصحة المدرسية معيارًا للجودة، لا مجرد تعليمات تُعلق على الجدران.
لكن النجاح الحقيقي لن يُقاس بحجم الحضور في المؤتمر، ولا بعدد الكلمات التي أُلقيت، ولا بالتغطية الإعلامية، وإنما عندما تتحول الرؤية إلى واقع يعيشه الطلبة في مدارسهم، ويشعر به أولياء الأمور في حياتهم اليومية. فالطالب الذي يتلقى رعاية صحية، ودعمًا نفسيًا، وغذاءً آمنًا، ويتعلم في بيئة مدرسية سليمة، سيكون أكثر قدرة على التعلم، وأكثر استعدادًا للإبداع، وأكثر انتماءً لوطنه.
لقد تعب الأردنيون من المبادرات التي تولد تحت أضواء الكاميرات ثم تختفي مع انتهاء التصفيق. أما “صحتي في مدرستي”، فإن امتحانها الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمر، عندما تتحول التوصيات إلى برامج، والشراكات إلى إنجازات، والأفكار إلى نتائج ملموسة في كل مدرسة، وفي كل محافظة.
اليوم، يثبت الأردن مرة أخرى أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في الإنسان. فالمدرسة التي تحمي صحة طلبتها، وتوفر لهم بيئة آمنة نفسيًا وجسديًا، هي المدرسة التي تصنع الطبيب، والمهندس، والمعلم، والقائد، والمبدع.
إن “صحتي في مدرستي” ليست مبادرة صحية عابرة، بل مشروع وطني لبناء الإنسان الأردني. وإذا كُتب لها النجاح والاستدامة، فإنها لن تغيّر واقع المدارس فحسب، بل ستغيّر طريقة تفكيرنا في معنى التعليم، ومعنى المسؤولية، ومعنى الاستثمار الحقيقي في الوطن.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا بالمؤتمرات وحدها، بل بطفل يدخل مدرسته مطمئنًا، يتعلم في بيئة صحية وآمنة، ويخرج منها أكثر وعيًا، وأكثر قوة، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل. وعندما تنتصر الإرادة الوطنية لصحة الإنسان، فإن الوطن بأكمله ينتصر.
