في حياة بعض الناس يكثر الكلام عنهم، أما الإعلامي الكبير سلطان الحطاب “أبو تمام”، فإن الكلمةَ نفسَها تقف اليوم إجلالًا لصاحبها.
نجتمع اليوم لا لنودّع رجلًا عاديًا، بل لنشهد لقامةٍ أردنيةٍ كبيرة، وفارسٍ من فرسان الكلمة، حمل قلمه بأمانة، وجعل من الإعلام رسالة، ومن الكلمة موقفًا، ومن الوطن نبضًا لا يفارقه. فطوبى لك يا أبا تمام.
لقد عرفنا سلطان الحطاب “أبو تمام” إعلاميًا متميزًا، وكاتبًا عميقًا، ومحللًا سياسيًا حصيفًا، ومثقفًا موسوعيًا، لم يكن يبحث عن الأضواء، بل كان يسعى إلى إضاءة العقول وإيقاظ الضمائر. كان يؤمن أن الكلمة ليست وسيلة للشهرة، بل مسؤولية أمام الله والوطن والتاريخ.
كان الأردن حاضرًا في قلبه كما كان حاضرًا في قلمه، وخدم الأردن وقيادته الهاشمية بإخلاص، ودافع عن قضاياه بصدق، وأسهم في ترسيخ الوعي الوطني والثقافي عبر عشرات السنين من العمل الإعلامي والفكري.
وكما كان الأردن يسكن قلبه، كانت فلسطين تسكن وجدانه، وكانت القدس الشريف، بأهلها ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، تحتل مكانةً خاصة في فكره وكتاباته. وظل حتى آخر أيامه مدافعًا عن حق الشعب الفلسطيني، وعن عروبة القدس ومقدساتها، مؤمنًا بأن الكلمة الحرة تستطيع أن تحفظ الهوية، وأن تصون الرواية، وأن تُبقي الحق حيًا في الضمير.
تشرفت بالإستماع إلى إدارته للعديد من الجلسات الفكرية والسياسية، وسعدت بإستضافته لي في أكثر من مناسبة عبر برنامجه الإذاعي “الحوار المفتوح”. ولمست فيه الإنسان النبيل قبل الإعلامي الكبير؛ تواضعًا راقيًا، وأدبًا جمًا، وإنصاتًا يحترم الآخر، ومحبةً صادقة لكل من يتحاور معه. كان يحاور بعقل، ويختلف بأخلاق، ويجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم.
إن رحيل الأستاذ سلطان الحطاب خسارة لنا جميعًا؛ خسارة للأردن، ولفلسطين، وللعالم العربي، وللإعلام، وللثقافة العربية. لكن عزاءنا أن الرجال الكبار، وإن غابوا بأجسادهم، فإنهم يبقون بما تركوه من أثرٍ طيب، وفكرٍ نيّر، وسيرةٍ حسنة.
وكما يقول السيد المسيح: «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ» (متى ٧: ١٦)، هكذا نحن نشهد اليوم أن ثمار أبي تمام كانت كلمةً صادقة، وموقفًا شريفًا، ومحبةً للأردن، ووفاءً لفلسطين، وإخلاصًا للإنسان.
باسم المحبة والوفاء، نتقدم بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى الأخ العزيز تمام، وإلى الأسرة الكريمة، وإلى جميع محبي الفقيد وأصدقائه، وإلى الأسرة الإعلامية والثقافية في الأردن، سائلين الله القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ذكره الطيب شاهدًا له، وأن يمنحنا جميعًا الصبر والعزاء.
وداعًا يا أبا تمام…
لقد توقّف قلمك السيّال، وغاب صوتك الهادئ، وافتقدنا حضورك الآسر، لكن رسالتك ستبقى، وأثرك سيدوم.
شكرًا لأنك أحببت الأردن فأخلصت له، وأحببت فلسطين فنافحت عنها، وأحببت القدس فأبقيتها حيّةً في وجدانك وقلمك، وأحببت أمتك العربية والإسلامية فحملت همومها بفكرك وكلمتك الحرة. شكرًا لأنك أحببت الإنسان قبل كل شيء، وشكرًا لأنك أحببتنا فأحببناك.
يرحل الرجال، لكن الكلمة الصادقة لا ترحل، ويغيب أصحاب الأقلام، لكن أثرهم يبقى شاهدًا عليهم. وستبقى يا أبا تمام حاضرًا في ذاكرة الأردن، ووجدان فلسطين، وضمير كل من عرفك، أو قرأ لك، أو استمع إليك.
نم قرير العين يا أبا تمام… فقد بلّغت رسالتك بأمانة، وأدّيت رسالتك بإخلاص، وتركت للأجيال إرثًا من الفكر المستنير، والكلمة الصادقة، والموقف الشريف.
وسيبقى اسمك، بإذن الله، منقوشًا في سجل الإعلام الأردني والعربي، ومنارةً لكل إعلامي يؤمن أن الإعلام رسالة، وأن الكلمة أمانة، وأن الوطن والحق والإنسان قيمٌ تستحق أن تُعاش وأن يُضحّى من أجلها.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك فسيح جناته،
«الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا.»
(أيوب ١: ٢١).
