هناك أيامٌ تمر على الأمم كأي يومٍ في صفحات التاريخ، وهناك أيامٌ تتحول إلى علاماتٍ فاصلة، يتغير بعدها مسار الوطن، وتُكتب بها فصولٌ جديدة من تاريخه. وكان الثالث والعشرون من يوليو واحدًا من تلك الأيام التي ستظل محفورة في الوجدان المصري، لأنه لم يكن مجرد تاريخ، بل كان إعلانًا عن ميلاد مرحلة جديدة، حملت معها حلم الاستقلال، والكرامة الوطنية، وبناء دولةٍ قويةٍ قادرة على حماية قرارها وإرادة شعبها.
في ذلك اليوم، لم يكن المشهد مجرد تحركٍ عسكري، بل كان تعبيرًا عن إرادة وطنية رأت أن مصر تستحق مستقبلًا أفضل، وأن شعبها يستحق أن يعيش مرفوع الرأس، سيدًا على أرضه، مالكًا لقراره، مؤمنًا بأن الوطن لا يُبنى إلا بأيدي أبنائه.
لقد أثبت التاريخ، مرةً بعد أخرى، أن الأمم التي تفقد جيشها القوي، تفقد أمنها، وأن الدول التي تتهاون في حماية مؤسساتها، تصبح فريسةً للفوضى والأطماع. ولهذا ظل الجيش المصري، عبر آلاف السنين، ليس مجرد قوةٍ عسكرية، بل أحد أهم أعمدة الدولة المصرية، وحصنها الذي تتحطم عليه المؤامرات، وسورها الذي يحفظ الأرض والعِرض والهوية.
منذ فجر الحضارة، كانت مصر تعرف معنى الجيش، وتدرك أن الحضارة لا تزدهر إلا إذا كانت لها قوة تحرسها. ولهذا لم يكن الجيش المصري يومًا جيش احتلال أو عدوان، بل كان دائمًا جيشًا يحمل عقيدة الدفاع عن الوطن، ويحمي حدوده، ويذود عن شعبه، ويقدم أبناءه شهداء في سبيل أن تبقى راية مصر عالية خفاقة.
ولعل ثورة يوليو كانت واحدة من المحطات التي أعادت التأكيد على هذه الحقيقة؛ أن القوات المسلحة كانت ولا تزال جزءًا أصيلًا من نسيج هذا الوطن، تنبض بقلبه، وتتحرك من أجل بقائه، وتضع مصر فوق كل اعتبار.
لقد شهدت مصر بعد يوليو تحولات كبرى في مجالات الصناعة، والتعليم، والزراعة، وبناء المؤسسات، وتعزيز فكرة الدولة الوطنية. وقد تختلف التقييمات التاريخية حول بعض السياسات أو النتائج، وهذا أمر طبيعي في دراسة أي مرحلة تاريخية، لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن تلك المرحلة تركت أثرًا عميقًا في تشكيل مصر الحديثة وفي ترسيخ فكرة السيادة الوطنية واستقلال القرار.
ولم يكن طريق مصر يومًا مفروشًا بالورود. واجهت حروبًا، وتحديات، وإرهابًا، وأزمات اقتصادية وسياسية، لكن هذا الوطن بقي واقفًا، لأن وراءه شعبًا يعرف قيمة بلده، وجيشًا لم يتخلَّ يومًا عن مسؤوليته. في كل أزمة كان المصريون يثبتون أن وحدتهم هي سر قوتهم، وأن انتماءهم لوطنهم أكبر من أي خلاف.
إن مصر ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل هي وطن يعيش فينا. هي حضارة تمتد آلاف السنين، وهي الأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، والنيل الذي منح الحياة، والأرض التي احتضنت الحضارات، والشعب الذي صنع المعجزات كلما ظن العالم أنه قد أنهكته التحديات.
لهذا فإن الاحتفاء بذكرى 23 يوليو ليس احتفاءً بالماضي فقط، بل هو تذكير دائم بأن بناء الأوطان مسؤولية مستمرة، وأن الحفاظ على الدولة واجب لا يسقط بالتقادم، وأن قوة مصر لا تكمن في سلاحها وحده، وإنما في وحدة شعبها، واحترام مؤسساتها، وإيمان أبنائها بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأعظم من كل الخلافات.
فلنختلف في السياسة كما نشاء، ولنتحاور في الرؤى كما ينبغي، لكن ليبقَ اتفاقنا ثابتًا على حقيقة واحدة: أن مصر تستحق أن تكون دائمًا فوق الجميع، وأن أمنها واستقرارها وسيادتها مسؤولية كل مصري شريف.
وفي هذه الذكرى المجيدة، نقف إجلالًا لكل من حمل السلاح دفاعًا عن تراب هذا الوطن، ولكل من قدّم روحه فداءً لمصر، ولكل أمٍّ زفّت ابنها شهيدًا، ولكل أسرة صبرت واحتسبت، لأن الأوطان لا تُصان بالكلمات وحدها، بل بالتضحيات التي يكتبها الأبطال بدمائهم.
سلامًا على شهداء مصر الأبرار…
سلامًا على كل جندي يقف اليوم في موقعه يحرس حدود الوطن، لتنام الملايين آمنة مطمئنة…
سلامًا على شعبٍ أثبت في كل اختبار أنه قادر على الصمود، وعلى تجاوز المحن، وعلى حماية دولته كلما اشتدت العواصف.
ستبقى مصر، كما كانت دائمًا، عصية على الانكسار، شامخة بتاريخها، قوية بجيشها، عظيمة بشعبها، راسخة بمؤسساتها، تمضي إلى المستقبل بثقة، لأنها تعرف من تكون، وتعرف قيمة الأرض التي ارتوت بعرق المخلصين ودماء الشهداء.
تحيا مصر… حرةً، أبيةً، مستقلةً، قويةً بإرادة شعبها، وبسالة جيشها، ووعي أبنائها.
حفظ الله مصر، وحفظ جيشها، وحفظ شعبها، وجعل رايتها دائمًا عاليةً خفاقة بين الأمم.
إذا أردته بأسلوب أكثر بلاغة وفخامة يشبه خطابات جمال عبد الناصر أو البيانات الوطنية التاريخية، أستطيع صياغته بلغة أدبية أكثر قوة وإيقاعًا.
