قبل الإعلان عن اتفاق لبناني أميركي إسرائيلي نتيجة اجتماعات واشنطن الأسبوع الماضي، أو إعلان نيات أو مبادئ، ينبغي التأكيد أن ثمة مبدأ واحداً سائداً قبل اندلاع هذه الحرب وخلالها وبعدها: إسرائيل لا تريد إلا الحرب. من قلب الداخل من غزة ثم الضفة إلى لبنان وإيران واليمن وسوريا والعراق، المنطقة كلها تحت عنوان حدّده رئيس حكومتها نتانياهو: “تغيير الشرق الأوسط”. وعليه، الحرب لا تستهدف لبنان وحده بل كل الجوار القريب والبعيد.
الاثنين الماضي انتظر اللبنانيون والمعنيون في المنطقة كثيراً قبل صدور الاعلان، وكان توتر كبير ورعب من دون مبالغة بعد التهديد الإسرائيلي بالعودة إلى قصف بيروت والضاحية وإنذار أهالي الضاحية بإخلائها. كانت موجة نزوح لا توصف. الناس في متاهة، في السيارات، على الطرقات، لا يعرفون إلى أين يتجهون وماذا يفعلون. صدر تهديد من طهران: “ندعو سكان المناطق الشمالية في اسرائيل إلى إخلائها”. العالم يحبس أنفاسه، والاتصالات الأميركية- الإيرانية قائمة وكلام من ترامب أنه من الممكن إعلان اتفاق قريب في ختامها وأن الأجواء إيجابية! أصبحنا أمام معادلة: إخلاء الضاحية وضرب بيروت يعنيان إخلاء المناطق الشمالية الاسرائيلية وحرب مفتوحة مجدداً.
في هذا الوقت حصل أمران:
الأمر الأول، من قبل الرئيس نبيه بري الذي أعلن موقفاً أكد فيه التزامه ضمان وقف حزب الله هجماته والتزامه التام باعلان وقف إطلاق نار شامل، وهو أمر غير جديد بل يطلب ثابتاً كان ينادي به دائماً ولم يتحقق، واستمرت اسرائيل في استباحتها وتوسيع احتلالها بارتكاب مجازرها وصولاً إلى مشارف النبطية واستهداف صور وتفاقم أزمة النازحين والإيواء. وأطلق بري حركة سياسية دبلوماسية إصلاحية من لبنان إلى قطر والسعودية وأميركا. قال ثوابته في مقابلة مع “نيويورك تايمز” مؤكداً: “الوحيد القادر على وقف ما يجري هو الرئيس دونالد ترامب”. وكلف مستشاره الاعلامي علي حمدان الاتصال بالسفير الأميركي في لبنان الموجود في واشنطن لإبلاغ تفاصيل موقفه، ثم أطل حمدان عبر “أكسيوس”، شارحاً الموقف مؤكداً الاستعداد لوقف ما يجري انطلاقاً من وقف إطلاق نار شامل.
الأمر الثاني: الاعلان عن اتصال بين الرئيس ترامب ونتانياهو وتسريب لافت لمضمونه خصوصاً للشق المتعلق بإهانة الأول للثاني: “أنت مجنون وناكر جميل. لولا وجودي لكنت في السجن. الجميع يكرهك ويكره اسرائيل بسببك. ضرب مبان في بيروت سيضاعف عزلة اسرائيل، الهجمات عرضت محادثات السلام الإيرانية – الأميركية للخطر بسبب إصرار إيران على توقف الاستهداف الاسرائيلي لحزب الله”.
إنه إعلان واضح أن موضوع لبنان أساسي في المفاوضات الإيرانية الأميركية خلافاً لنفي كثيرين وقلقهم من ذلك، وتأكيد باكستان راعية المفاوضات أن اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران واميركا يشمل لبنان. وهنا قامت قيامة الداخل الأميركي الرافض وقف إطلاق النار في لبنان والداعي إلى التخلّص نهائياً من حزب الله وسلاحه ورفض أي اتفاق مع إيران لا يلبي الشروط الأميركية كاملة. وفي الداخل الاسرائيلي ساد قلق كبير إذا ما قيّدت حركة الجيش في لبنان. هذه المواقف جاءت رداً على ما أعلن لكن تبين لاحقاً وحسب ما نشرت القناة 12 الإسرائيلية وبعد انشغال العالم بمضمون المكالمة المفاجئ بين ترامب ونتانياهو، “أن الأول استخدم اللهجة واللغة المعروفتين للوصول إلى اتفاق على إصدار أمر بإخلاء الضاحية من دون تنفيذ الهجوم للضغط على إيران في المفاوضات”، وفي ذلك تهديد للبنان وتخويف للبنانيين قبل جولة المفاوضات معهم في واشنطن، ورسالة للإيرانيين “أننا أوقفنا استهداف الضاحية وبيروت”. وهذا يؤكد الربط الأميركي بين ما يجري في لبنان والمفاوضات مع إيران علّ أنصار ترامب من لبنانيين وغير لبنانيين يدركون ذلك وهذا الشاهد لن يكون الأخير بالتأكيد.
هذا الشق غير المعلن من مضمون الاتصال جعل نتانياهو يمارس التهديد الاعلامي فيقول: “موقفنا ثابت بمهاجمة بيروت إذا لم يوقف حزب الله هجماته وسنواصل العمل جنوبي لبنان وفقاً للخطة المعدّة”. وكرّر أكثر من مرة ان الذين يوجهون العمليات ضدنا موجودون في بيروت والبقاع، في إشارة إلى إصراره على استهداف بيروت وهذا ما فعله أمس عندما أمر القوات الاسرائيلية باستهداف الضاحية.
كثيرون استغربوا كيف يعلن ذلك بعد كلام ترامب معه. لكن استغرابهم لم يكن في محله. هذا هو ترامب. وهذا هو نتانياهو الذي ورّطه. وبعد انتظار صعب، صدر البيان الذي تضمن نتائج جولة المفاوضات في واشنطن وكشف حقيقة الموقف الأميركي ونتائج الضغط الاسرائيلي الواضح على إدارة ترامب، وموافقة الوفد اللبناني.
نتانياهو لم يعلّق في بداية الأمر. لكن “معاريف” قالت: “لا نعرف ما هي صيغة وقف إطلاق النار التي فرضتها إيران على ترامب وفرضها بدوره علينا”، يعني الربط مع إيران! مع ملاحظة: تارة يقال: “نتانياهو ورّط ترامب”، وطوراً: “إيران فرضت” سبب ذلك التفسيرات المختلفة لبنود الاتفاق إضافة إلى أن الربط بإيران يعطيها حق الرفض والفرض والحرب على أرضنا. الرمز الأبرز في المعارضة لابيد: “اتفاق غير مقبول”.
قناة “كان”: “لم تتغير المعادلة. ما زالت هي هي التي رسمها حزب الله”. أما حزب الله فرافض وإيران تتشدّد خصوصاً بعد مواقف ترامب المؤكدة رغبته في الوصول إلى اتفاق معها. الرئيس بري مصدوم. حاول جاهداً وقدّم كل شيئ ولم يصل إلى نتيجة. انقسام داخلي خطير مع تأكيد ملاحظتين مهمتين: البيان المشترك عن المفاوضات اللبنانية- الاسرائيلية طالب فريقاً واحداً بوقف إطلاق النار وهو حزب الله! ولا حديث فعلياً جدياً واضحاً عن انسحاب اسرائيل، وترك الأمر للمفاوضات لاحقاً التي قد تمتد لسنوات، ولا عودة للنازحين ولو لتفقد أرضهم ولا أقول أملاكهم المدمرة. فوراً أعلن الجيش الإسرائيلي تهديده منعهم من الدخول إلى المناطق المحتلة.
الملاحظة الثانية، تمّ تأكيد ربط ما يجري في لبنان بالمفاوضات مع إيران من خلال كلام ترامب: “الملف اللبناني مرتبط إلى حد ما بإيران. وأعتقد أن أموراً ستحدث في لبنان وقد جرى تقدّم. تحدثت مع إيران وحزب الله وإسرائيل! الإيرانيون أناس جيدون. مفاوضون أقوياء”. قامت القيامة مجدداً. هو يتحدث مع إيران، والخليج بمعظم دوله يتحدث معها، وأعلى المواقف طرد بعض الدبلوماسيين الايرانيين والضغط على لبنان واستخدامه ورقة في التفاوض، كما تفعل إيران التي يبحث ترامب عن بازار معها، في وقت ترتفع فيه الأصوات “الدولة هي التي تفاوض”! وترامب يعلن: “اتصلت بحزب الله وإيران”! ولم يجدّد وقف إطلاق النار معها. فهو يُحترَم باستثناء مناوشات بسيطة كما وصفها ترامب والمفاوضات مستمرة للوصول إلى اتفاق! أما في لبنان، فرغم كل تمايز نبيه بري بمواقفه، وتأييده قرارات الحكومة، وردّه المباشر وسريعاً على كلام نعيم قاسم ورفض دعوته لإسقاط الحكومة، تكرّس اللعبة الأميركية الإسرائيلية المشتركة التمايزات بين أركانها أحياناً ووحدة الساحة الشيعية في لبنان ذي الخصوصية الدقيقة، إضافة إلى ارتفاع وتيرة الخطاب المذهبي الطائفي الخطير المتفلّت من اي رقابة ذاتية من كبار وصغار.
هنا صدرت المواقف الإسرائيلية التالية: مع استمرار العدوان على عدد كبير من قرى الجنوب مسؤول أمني رفيع المستوى يقول: “يمكننا العمل بحرية كاملة في صيدا وصور، نحن مقيدون في بيروت”. نتانياهو يلتقي برفقة رئيس الأركان زامير رؤساء بلديات القرى الشمالية ويقول: “ما حققناه جنوبي اسرائيل – غزة – هو ما سيكون عليه الوضع في شمال لبنان”. كلام واضح. الاحتلال. توسيعه. تحويل الجنوب إلى منطقة غير قابلة للحياة. وهو يحتفظ لنفسه بجعل الوضع في الضاحية مماثلاً! أما زامير القلق على الرغم من كل تحدياته وتهديداته فقال: “اتفاق في مدة لا تتجاوز الشهر بشروط مقبولة أفضل لنا”. لاحقاً أعلن نتانياهو: “نفضّل المسار الدبلوماسي ونترك مجالاً للمفاوضات”. ويعمل على ترميم علاقته مع ترامب واستيعاب ما جرى بينهما. لكنه أشار إلى أمر خطير أمام رؤساء البلديات: “الجيش الإسرائيلي يسيطر على حصن غريب متعدد الطوابق. لم نر شيئاً مثله في لبنان أو غزة أو أي مكان آخر. إنه الآن بين أيدينا وسيتم القضاء عليه”. في إشارة إلى السيطرة على قلعة الشقيف وتحضير كل “العدّة” المطلوبة لنسفها وتدميرها. هذا هو المفهوم الاسرائيلي لوقف اطلاق النار!
وفي سياق الحديث عن هذا الأمر وما ورد في البيان المشترك من تأكيد على دور الجيش اللبناني وقيامه “بخطوات تجريبية” والعمل على مساعدته، قال وزير خارجية أميركا ماركو روبيو “نريد أن نرى الجيش اللبناني بالقوة والإمكانات التي تمكّنه من نزع سلاح حزب الله”. السؤال: ألم تطلعوا على تقارير قائد الجيش التي قدمت إلى مجلس الوزراء وأنتم تعلمون كل شيئ بتفاصيله؟ ألم يناشد القائد الجميع بضرورة تقديم الدعم للجيش ليتمكن من إنجاز مهامه التي حقق باعترافكم و”الميكانيزم” ودول كثيرة واسرائيل خلال خمسة اشهر ما لم يحقق خلال خمسة عشر عاماً؟ وأكد بأن الاحتلال الاسرائيلي يعيق استكمال المهام وكذلك عدم توفّر الإمكانات والقدرات المطلوبة لذلك. فلماذا انكفأ الجميع وأنتم المرجع والقرار بالتأكيد؟ تُرك الجيش والآن تتطلعون إلى دعمه. هذا جيد. ولكن كيف ترجمت هذه النية أو الإرادة أو هذا الموقف وبما يتناقض مع نص البيان المشترك الذي تفاخرتم برعايتكم له؟ اسرائيل تعتدي على آلية للجيش اللبناني – ليست المرة الأولى بالتأكيد فقد سقط عدد من الشهداء والجرحى سابقاً – لكن الاعتداء الاخير جاء بعد ساعات من إعلان البيان. سقط عميد ونقيب وعسكري شهداء. والتبرير الكلاسيكي: خطأ. الخطأ مبرّر عندما يأتي في سياق البرنامج الصح والنتيجة: استهداف الجيش ولبنان وأمنه واستقراره واستضعافه لفرض الشروط الكاملة عليه. أهذا هو الامتحان التجريبي الأول الذي يفسح المجال أمام الجيش لينتشر في الجنوب ويضبط الوضع أم أنه عمل متعمد في إطار تكريس السيطرة الاسرائيلية الكاملة على الأرض ولو لوقت طويل؟ وهل في ذلك تعزيز لحضور الدولة وتمكينها وحدها من بسط سلطتها وسيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيدها؟
في هذا الوقت وجهت دعوة لقائد الجيش لزيارة باكستان، كانت موضع نقاش وأخذ وردّ وتحليل في كل المجالس والكواليس السياسية. لماذا؟ باكستان الدولة التي ترعى المفاوضات. من الطبيعي أن تطلع من قائد الجيش على الوضع وآرائه في كيفية إخراج الحلول وتوفير الامكانات المطلوبة لحصر السلاح بيد الدولة وتأمين الانسحاب الإسرائيلي. المؤسف أنه نظراً لمواقف “القائد” العقلانية والحكيمة ظهرت ريبة من ذلك، والسبب عقلية “الزواريب” “والحقد” والكراهية “وتصفية الحسابات” والوهم بامكانية حسم الأمور بالقوة لحماية مستقبل لبنان وهو على مفترق مصيري خطير.
أمام هذا الوضع الأليم، بيان لبنان الذي يعلو فوق كل البيانات يجب أن يكون: الحكمة. التعقّل. التبصّر. الوحدة الوطنية. الصبر. الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها. وحدة أركان الدولة. استيعابهم ابنائهم. الواقع الداخلي. الخصوصية اللبنانية. الاستفادة من تجارب أميركا الماضية في كل الحروب. الوقوف عند ما ينبّه اليه عدد كبير من الأميركيين الخبراء في هذا المجال كما الاستفادة بالتأكيد من تجارب الاسرائيليين المريرة وآخر شاهد فيها حتى الآن الاعتداء على الجيش وإعلان الاستعداد لاستكمال حربهم حتى تحقيق ما يريدون.
