ليست كل التعيينات العامة حدثًا عابرًا في سجل الدولة، فبعضها يحمل في طياته دلالات أعمق من الأشخاص والمواقع، ويعبر عن منظومة قيم واختيارات وطنية تستحق التوقف عندها. ومن هذا الباب يكتسب تعيين الأستاذة الدكتورة هند أبو الشعر عضوًا في مجلس الأعيان أهمية خاصة، لأنه لا يمثل تكريمًا لشخصية أكاديمية مرموقة فحسب، بل يشكل احتفاءً رسميًا بالعلم والمعرفة والبحث الجاد بوصفها مكونات أساسية في بناء الدولة الحديثة.
فعلى مدى عقود طويلة، ظلت هند أبو الشعر اسمًا يثير الاحترام في الأوساط الأكاديمية والثقافية العربية. لم تصنع مكانتها عبر الأضواء أو الخطابات الرنانة، وإنما بنتها بصبر العلماء، وجهد الباحثين، وصرامة المؤرخين الذين يدركون أن الحقيقة لا تُنال إلا بالتنقيب والمراجعة والتمحيص. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول إلى واحدة من أبرز المرجعيات العلمية في تاريخ الأردن الحديث وتاريخ بلاد الشام وتاريخ صدر الإسلام، وأن تحظى بتقدير واسع داخل الأردن وخارجه.
لقد اختارت منذ بداياتها طريقًا شاقًا لا يسلكه إلا أصحاب الرسالات الفكرية الكبرى. فالتاريخ بالنسبة لها لم يكن مجرد تخصص أكاديمي أو مهنة جامعية، بل كان مشروعًا وطنيًا ومعرفيًا متكاملًا. كانت تدرك أن الأمم لا تُبنى بالاقتصاد والسياسة وحدهما، بل تُبنى أيضًا بالوعي، وأن الوعي لا يترسخ إلا بمعرفة دقيقة بالجذور والمسارات والتحولات التي صنعت حاضر الشعوب ومستقبلها.
وفي كل ما كتبته وقدّمته، حافظت هند أبو الشعر على قيمة أصبحت نادرة في زمن الاستقطاب والانفعالات؛ وهي قيمة النزاهة العلمية. فلم تنحز إلا للحقيقة، ولم تجعل من التاريخ أداة للدعاية أو المبالغة أو تصفية الحسابات الفكرية. ولذلك اكتسبت أعمالها احترام الباحثين، وأصبحت مؤلفاتها مراجع أساسية لكل من أراد فهم تاريخ الأردن والمنطقة بعيدًا عن السرديات المرتجلة والقراءات السطحية.
ولعل ما يميز تجربتها أنها لم تكن مؤرخة للماضي فقط، بل كانت قارئة واعية للحاضر أيضًا. فقد أدركت أن دراسة التاريخ ليست استدعاءً للأحداث القديمة بقدر ما هي محاولة لفهم الإنسان والمجتمع والدولة عبر الزمن. ومن هنا جاءت كتاباتها محملة بأسئلة الهوية والانتماء والتكوين الوطني، لتقدم إسهامًا حقيقيًا في ترسيخ الوعي الأردني وتعزيز الثقة بالرواية الوطنية القائمة على الحقائق والوثائق لا على الانطباعات والأهواء.
لقد كانت هند أبو الشعر، عبر مسيرتها الطويلة، مدرسة في الانضباط العلمي والالتزام المهني. خرجت أجيالًا من الباحثين والدارسين، وأسهمت في تشكيل عقول طلابها قبل أن تملأ رفوف المكتبات بكتبها وأبحاثها. وكان تأثيرها في الحياة الثقافية والفكرية أوسع بكثير من حدود القاعات الجامعية، إذ تحولت إلى رمز للمثقف الأردني الجاد الذي يجمع بين التخصص العميق والوعي الوطني والمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع.
وعندما تنضم هذه القامة العلمية إلى مجلس الأعيان، فإن المؤسسة الوطنية العريقة تكسب صوتًا يمتلك خبرة واسعة في قراءة التحولات التاريخية وفهم طبيعة المجتمعات والدول. فالدول الراسخة لا تعتمد في صناعة القرار على أهل السياسة وحدهم، وإنما تستند كذلك إلى العلماء والمفكرين وأصحاب الخبرة المتراكمة، لأن المعرفة في نهاية المطاف هي الضمانة الأهم لحسن التقدير وسلامة الرؤية.
إن الإرادة الملكية السامية بتعيين الدكتورة هند أبو الشعر تحمل رسالة واضحة مفادها أن الأردن ما زال وفيًا لتقاليده الراسخة في احترام العلم وأهله. وهي رسالة تؤكد أن التفوق الأكاديمي والإنجاز المعرفي ليسا نشاطًا هامشيًا على أطراف الحياة العامة، بل عنصران أصيلان في بنية الدولة ومؤسساتها.
وفي زمن تتعرض فيه الثقافة والمعرفة في كثير من المجتمعات للتهميش أمام ضجيج الشهرة السريعة والخطاب الشعبوي، يأتي هذا الاختيار ليعيد الاعتبار لقيمة الإنجاز الحقيقي القائم على العمل المتواصل والعطاء الهادئ. فهند أبو الشعر لم تصل إلى هذه المكانة عبر ظرف عابر أو حضور إعلامي مؤقت، وإنما عبر رحلة طويلة من الاجتهاد والإنتاج الفكري والوفاء للعلم والوطن.
إن الحديث عن هند أبو الشعر هو حديث عن جيل كامل من العلماء الأردنيين الذين آمنوا بأن المعرفة مسؤولية وطنية، وأن خدمة البلاد لا تكون بالموقع الرسمي وحده، بل بالفكرة الصادقة والبحث الجاد والكلمة المسؤولة. ولهذا فإن تكريمها اليوم هو تكريم لكل أكاديمي مخلص، ولكل باحث أفنى عمره بين الوثائق والكتب، ولكل معلم آمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن تقدمه الأوطان لأجيالها القادمة.
هنيئًا للدكتورة هند أبو الشعر هذا الاستحقاق الوطني الرفيع، وهنيئًا للأردن أن يرى إحدى أبرز قاماتِه الفكرية والعلمية تحت قبة مجلس الأعيان. فالأوطان تكبر بعلمائها كما تكبر بقادتها، وتبقى الذاكرة الوطنية أكثر أمنًا حين يتولى حراستها أصحاب المعرفة والخبرة والبصيرة.
