في بلدٍ يرزح تحت تهديدات أمنية مستمرة وانفلات ميداني يطال الطرقات والقرى، تتحوّل الامتحانات الرسمية والجامعية في لبنان من استحقاق تربوي إلى أزمة وجودية، و الإصرار الرسمي على إجرائها في مواعيدها، رغم التحذيرات والمخاطر، فجّر موجة غضب واسعة في الأوساط الطلابية والسياسية، خصوصاً بعد الحادثة المأساوية التي أودت بحياة عائلة كانت في طريقها من امتحان جامعي. وبين من يرى في القرار “حفاظاً على انتظام التعليم”، ومن يعتبره “استهتاراً بأرواح الطلاب”، تتكشف أزمة أعمق: دولة تحاول تثبيت شكل الاستقرار، بينما الواقع ينزلق خارج كل قواعد الأمان والعدالة.
الإصرار على إجراء الامتحانات في ظل حرب مفتوحة وطرق غير آمنة ونزوح وخوف يومي، ليس قراراً تربوياً كما يُسوَّق له، بل شكل من أشكال الإنكار السياسي المفرط للواقع. كأن السلطة تقول للبلد: “تجاهلوا كل ما يحدث، وامتحنوا كأن شيئاً لم يكن”. لكن الواقع لا يوقّع على هذا الاتفاق.
فحادثة مقتل الطبيب جايمس كرم وابنته وشقيقه أثناء عودتهم من امتحان جامعي ليست “تفصيلاً مأساوياً” يمكن تمريره في سياق الخبر. إنها فضيحة مكتملة الأركان. عائلة خرجت من بيتها من أجل التعليم… فعادت في أكفان. أي خطاب رسمي يمكنه أن يشرح هذا دون أن يسقط أخلاقياً قبل أن يسقط سياسياً؟ وأي “مصلحة وطنية” هذه التي تبدأ بالعلم وتنتهي بالجثث على الطريق؟
المشكلة أن هذا المشهد لم يوقظ القرار، بل دخل في دوامة تبرير بارد: “الإجراءات مستمرة”، “التنسيق قائم”، “سلامة الطلاب أولوية”. كلمات أنيقة جداً… لكنها تتكسر فور اصطدامها بالحقيقة: لا أحد يستطيع ضمان السلامة، ولا أحد يملك السيطرة الكاملة على الأرض. ومع ذلك، يُطلب من الطلاب أن يكونوا هم الحلقة الأكثر انضباطاً في دولة فقدت الحد الأدنى من السيطرة.
هنا يكمن الانفجار الحقيقي في المشهد: دولة تطلب من شبابها أن يخوضوا امتحاناً في الوقت، في المكان، في الشكل… حتى لو كان الطريق إلى القاعة أخطر من الامتحان نفسه. وكأن “النجاح” لم يعد يقاس بالعلم، بل بقدرة الطالب على عبور احتمال الموت دون أن يعترض.
الأدهى أن النقاش العام يُدار وكأنه خلاف إداري بسيط: تأجيل أو عدم تأجيل، دورات أو ثلاث دورات، ترتيبات أو تعديلات. بينما الحقيقة أبسط وأقسى: لا عدالة ممكنة في امتحان لا يملك فيه الجميع الحد الأدنى من الأمان. لا تكافؤ فرص بين طالب يعيش في منطقة مستقرة، وآخر قد لا يعرف إن كان طريقه سيُفتح غداً أم سيُغلق تحت القصف أو الخوف أو النزوح.
ومع ذلك، تُصر السلطة على لغة باردة، شبه تقنية، وكأنها تدير نظاماً تعليمياً في بلد محايد، لا في دولة على تماس يومي مع خطر وجودي. الأخطر من القرار نفسه هو هذا الإنكار: تحويل الحرب إلى “عامل طارئ”، بدل الاعتراف بأنها أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للناس، وبالتالي من كل قرار تربوي أو إداري.
ما يجري فعلياً هو محاولة إبقاء الشكل قائماً ولو سقط المضمون بالكامل. امتحانات تُجرى لأن “لا يجوز تعطيل الاستحقاق”، حتى لو كان الاستحقاق نفسه يفقد معناه حين يتحول إلى اختبار نجاة. أي امتحان هذا الذي يُقاس فيه الطالب ليس بما تعلمه فقط، بل بما إذا كان قادراً على الوصول حيّاً إلى ورقة الأسئلة؟
وفي الخلفية، تُرمى المسؤولية على الجميع: الطلاب، الأهالي، المدارس، الإدارات. وكأن الأزمة في “سوء تنظيم”، لا في واقع سياسي وأمني يفرض نفسه بالقوة. هذا التوزيع الرمزي للمسؤولية ليس حلاً… بل هروب من الاعتراف بالحقيقة: الدولة لم تعد قادرة على ضمان أبسط شروط العملية التعليمية.
الأخطر أن استمرار هذا النهج يحوّل الامتحانات من أداة تقييم إلى أداة قاسية لإعادة إنتاج اللامساواة. امتحان واحد في بلدين داخل البلد نفسه: بلد يستطيع الوصول إلى القاعة بأمان، وبلد آخر يخوض رحلة محفوفة بالمخاطر ليصل أصلاً.
في النهاية، القضية لم تعد تربوية ولا إدارية. إنها سؤال سياسي وأخلاقي عارٍ:
ما قيمة الامتحان إذا كان ثمنه احتمال الحياة نفسها؟
وما معنى “النجاح الوطني”، إذا كانت الدولة التي تختبر أبناءها… هي نفسها التي تفشل في حمايتهم على الطريق إلى الاختبار؟
