عروبة الإخباري –
بدأ يكتب عنوان مقالته، ومع كلّ حرفٍ كان يرتشف من كأس نبيذه كأنّه يستعين بالسحر ليُضيء الفكرة.
أصابعه الملطّخة برائحة التبغ تتحرّك ببطء فوق الورق، فيما سيجارته تستقرّ بين يديه كأنّها آخر ما تبقّى له من يقين.
كان يحتضن تبغه كما يحتضن المنفيُّ ذاكرته، ويحدّق في الدخان الصاعد كأنّه يرى فيه خرائط الحروب، وخيانات الساسة، ووجوه المدن المتعبة.
في الغرفة نصف المعتمة، لم يكن يسمع سوى أغنية فرنسية قديمة … واحتكاك القلم بالورق.
الليل يتكئ على النافذة، وبيروت في الخارج تبدو كمدينةٍ أنهكها الانتظار.
أما هو، فكان يتحدّث عن الأحداث بشغفٍ غريب، كأنّه يدير العالم من خلف طاولته ، وكأنّ نشرات الأخبار لا تبدأ إلا حين يشعل سيجارة جديدة.
كان يؤمن أنّ الحقيقة لا تُقال دفعةً واحدة، بل تُسحب ببطء… تمامًا كنفسٍ طويل من تبغٍ ثقيل.
لذلك كان يترك جمله ناقصة أحيانًا، ويترك للقارئ أن يلتقط ما بين السطور من وجعٍ وسخرية وخيبة.
كلّما ارتفع الدخان، انخفض صوته أكثر، كأنّه يخشى أن تسمعه المدينة وهي تتعرّى أمام كلماته.
كتب عن وطنٍ يشبه الكأس التي أمامه؛ ممتلئًا في الظاهر، فارغًا في العمق.
وعن شعبٍ يتقن التصفيق للخطب أكثر مما يتقن النجاة.
وعن رجال سياسة يبدّلون وجوههم أسرع من تبديل ربّطات العنق، فيما الفقراء وحدهم يبقون أوفياء لتعبهم اليومي.
توقّف قليلًا…
أعاد قراءة السطر الأخير، ابتسم بسخرية، ثم همس لنفسه:
“أحيانًا لا نكتب لأننا نملك الحقيقة… بل لأنّنا نخاف أن نموت قبل قولها.”
ثم عاد إلى كأسه، وترك للدخان أن يُكمل المقال.
