مع نهاية الشهر الجاري، دخلت المفاوضات الأمريكية-الإيرانية مرحلة شبه انسداد كامل، بعد جولات إسلام آباد ومسقط التي لم تُفضِ إلى أي اختراق، في وقتٍ تحوّل فيه الصراع تدريجياً إلى ما يشبه “حرباً باردة” قائمة على الحصار والعقوبات لا المواجهة المباشرة. أدى تبنى ترامب لخيار الهدنة ثم تمديدها إلى نقل العبء العسكري الذي تحمّلته إسرائيل بشكل أساس إلى الساحة الاقتصادية التي تتحمل أعباءها واشنطن فعلياً في هذه الحرب.
منذ ذلك الحين، استمر التوجه الأمريكي ضمن هذه المقاربة، مع التعويل على “الضغط الأقصى” على إيران، من خلال الحصار البحري وخنق صادرات النفط الإيرانية، لتحقيق الحسم في المفاوضات عبر الضغط الاقتصادي. غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع تتجاهله أو تجهله واشنطن. فإيران ليست دولة قابلة للإخضاع عبر الحصار التقليدي، لأنها تمتلك خبرة تراكمية تمتد لعقود في التكيف مع العقوبات، وشبكات التفاف اقتصادية، وعمقاً جغرافياً وشراكات تتجاوز مضيق هرمز نفسه. وهنا تتكشف مفارقة هذا المسار، فبينما تسعى واشنطن لإجبار طهران على الاستسلام عبر الضغط الاقتصادي، يبدو أنها من يقع في ذلك الفخ، ويدفع الثمن الأكبر لاستمرار هذه الحرب.
فالضغوط المتواصلة لاستمرار الأزمة في الشرق الأوسط تتحول تدريجياً إلى الداخل الأمريكي وإلى حلفاء واشنطن، مع استمرار اضطراب امدادات الطاقة والاقتصاد العالمي. إن هذه التطورات في ظل وقف القتال، صنعت حالة من الاستنزاف، ليس لإيران وحدها، بل لواشنطن أيضاً وحلفائها، وهو ما يسهم في إعادة تشكيل النظام الدولي برمته على حسابها، وهو ما يمكن لواشنطن أن تخشاه فعلاً. إن مثل هذا الوضع يثير تساؤلاً مركزياً: هل أصبح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر هذه المقاربة، الخاسر الأكبر في صراع اختار أن يديره اقتصادياً بدل أن يحسمه سياسياً أو عسكرياً؟
في هذا السياق الدولي المتشابك، يبدو أن الولايات المتحدة تدفع ثمن الحرب مع إيران، وحاله الاستنزاف الناجمة عنها، في علاقاتها مع حلفائها الغربيين. تعتمد أوروبا بشكل كبير على واردات الطاقة، خصوصاً تلك القادمة من الشرق الأوسط. أدّت هذه الحرب وتعطّل الملاحة في مضيق هرمز إلى ارتفاع تكلفة الطاقة وزيادة مخاطر الركود الصناعي وتباطؤ النمو الاقتصادي وزيادة التضخم في منطقة اليورو، فدفعت أوروبا ثمن قرار واشنطن بخوض هذه الحرب.
بعد أن رفض معظمها المشاركة في الحرب، دعت دول أوروبية، على رأسها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، لاستئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتّحدة، وركزت على أهمية تحقيق حل سياسي بدلاً عن التصعيد العسكري. وناقش عدد من القادة الأوروبيين إمكانية تخفيف العقوبات على إيران كجزء من إتفاق مستقبلي. كما طرحت أوروبا حلاً لحماية الملاحة في مضيق هرمز دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. ساهمت هذه الحرب بتعميق الخلاف الأوروبي الأميركي، القائم أصلا قبل اندلاعها، بسبب سياسات الولايات المتحدة التجارية والعسكرية التصعيدية تجاه دول القارة العجوز، المتمثلة بفرض تعريفات جمركية عليها، وتحميلها نفقات الحماية العسكرية في حلف الناتو، التي تبناها ترامب بقوة، بعد صعوده للسلطة.
تعكس سياسة إسبانيا تجاه الصين مقدمة لتحوّل سياسي مهم داخل أوروبا عن الولايات المتحدة، والذي ارتبط مباشرة بسياق هذه الحرب. وقعت أسبانيا بالفعل خلال الشهر الجاري ١٩ اتفاقية مع الصين تشمل مجالات متعددة استثمارية وتجارية وتكنولوجية وبحث علمي، الأمر الذي يعكس نية إسبانية لتعاون اطاري شامل وحوار استراتيجي متكامل، وليس اتفاقا عابرا، والذي قد يشجع دولاً أوربية أخرى لأن تحذو حذوها، ما يجعل إسبانيا بوابة لإختراق صناعي صيني إلى أوروبا.
رفضت كندا أيضاً الانخراط إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، وتتشابه في موقفها هذا مع الدول الغربية، التي دعت لخفض التصعيد والحل الدبلوماسي. كما سعت لخلق نوع من التوازن، بتخفيف الاعتماد على الولايات المتحدة، وتوسيع شراكاتها الخارجية، وكانت الصين إحدى تلك الشراكات. كما تعتبر فرنسا من بين الدول الأوروبية التي رفضت المشاركة في الحرب، وهي الدولة التي طالما دعت لاستقلال استراتيجي أوروبي عن الولايات المتحدة. كما تحافظ على علاقات اقتصادية قوية مع الصين، متحدية بذلك الارادة الأمريكية. ولا تبتعد ألمانيا كثيرا عن الأنداد الغربيين، حيث ابتعدت عن الانخراط في الحرب، ونادت بحل دبلوماسي، وتصاعد تعاونها الاقتصادي مع الصين. كما دفعت أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب إلى بحث الدول الأوروبية عن بدائل لمصادر الطاقة الشرق أوسطية، فتطورت علاقاتها مع روسيا جزئيا، وهددت سلوفينيا على سبيل المثال بعرقلة عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا. وإن كان هذا الموقف الأوروبي لايزال محدوداً ليس من المستبعد أن يتطور بسبب سياسات إدارة ترامب. لا يمكن فصل تطورات هذه الحرب عن تحولات أوروبية أوسع باتجاه إعادة تموضع استراتيجي يتجاوز العلاقة التقليدية مع الولايات المتحدة.
لم تكن واشنطن نفسها بمنأي عن سياسات ترامب وهذه الحرب، فتواصل ارتفاع أسعار البنزين، وزيادة التضخم، وتباطئ النمو، وانخفاض قيمة الدولار، أربك السوق الأميركي، الذي أصبح يعاني من حالة عدم يقين واسعة. كما تنعكس آثار الحرب على انقسام ظاهر داخل الحزب الجمهوري في الكونجرس، بين تأييد الحرب ومعارضتها، في حين يعارضها غالبية الديمقراطيين، وسط تصاعد التوجهات تشريعياً لتفعيل آليات لفرض قيود على صلاحيات الرئيس في اتخاذ قرار الحرب، (War Powers Resolution) في ظل غالبية من الرأي العام لا تريد الحرب. ويرتبط المزاج الانتخابي الأمريكي بشكل وثيق بالأداء الاقتصادي، الأمر الذي يضع الإدارة الأمريكية اليوم أمام اختبار داخلي مهم في الانتخابات النصفية القادمة في شهر تشرين ثاني القادم.
في دول التعاون الخليجي، تبدو تداعيات الحرب أكثر وضوحاً من حيث ارتباطها المباشر بالاقتصاد والأمن. تشير التصريحات الرسمية خلال قمة جدة الأخيرة، إلى إدراك عميق بأن استمرار الحرب لم يعد مجرد تهديد أمني، بل أصبح خطراً مباشراً على استقرار اقتصاديات المنطقة، في ظل أسوأ أزمة تمر بها منذ جائحة كورونا. وتشدد التصريحات الرسمية لدول المنطقة، على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز الذي يمثل لها شريان الاقتصاد. كما تحرص دول الخليج على التأكيد أن أراضيها “لن تُستخدم لشن هجمات”، مع تركيزها على تعزيز التنسيق الدفاعي الذاتي والإقليمي. وعلى المستوى الاقتصادي، تعكس التحركات الأخيرة لتلك الدول اتجاهاً أوسع نحو تنويع الشراكات الاقتصادية والانفتاح على قوى دولية جديدة في ظل عدم اليقين الاستراتيجي، بسبب هذه الحرب. ورغم التصعيد، فإن الخطاب الخليجي لا يتجه نحو القطيعة مع إيران، بل يؤكد على ضرورة إعادة بناء الثقة، وهو ما يعكس إدراكاً عميقاً بأن إيران، بحكم الجغرافيا والتاريخ، فاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه، بل يجب احتواؤه ضمن ترتيبات توازن طويلة المدى.
بدورها لم تكن إسرائيل بمنأى عن نتائج هذه الحرب التي أشعلتها، فتشير المعطيات السياسية الداخلية خلال الأيام الأخيرة إلى أن الحرب أعادت تشكيل المعادلات السياسية، فبدلاً من أن تُرسّخ مكانة حكومة نتنياهو في السلطة، بدأت تظهر معادلات جديدة ضده تحكم المشهد الانتخابي. فقد أدى عدم الحسم العسكري مع إيران وتزايد كلفة المواجهة، مع لبنان، لتحوّل تدريجي في المزاج العام نحو تفضيل وقف الحرب أو احتوائها، خصوصاً مع استمرار الضغوط الأمنية والاقتصادية. تزامن هذا التحوّل مع إحياء قضايا داخلية مؤجلة، منها ملفات الفساد التي تلاحق نتنياهو، والخلاف الحاد حول تجنيد المتدينين “الحريديم”، لتصبح تلك القضايا عناصر مركزية في الخطاب الانتخابي الحالي، بعد أن كانت جانبية أمام شعار “الأمن أولًا”. وفي هذا السياق، برزت خطوة لافتة تمثّلت في تقارب وتنسيق داخل المعارضة بقيادة شخصيات مثل نفتالي بينت ويائير لابيد حيث يجري توحيد قوى من اليمين والوسط ضمن جبهة هدفها الأساس إسقاط حكومة نتنياهو، الحليف المقرب لترامب. وبهذا، تُنتج الحرب بيئة سياسية في إسرائيل قد تكون الأخطر على نتنياهو منذ سنوات، من خلال رأي عام أقل حماساً للتصعيد، وأجندة داخلية ضاغطة، ومعارضة أكثر تماسكاً. وعليه، فإن احتمالات التغيير في الانتخابات القادمة تبدو ممكنه، عبر إعادة تموضع سياسي قد يدفع إسرائيل نحو مقاربة لإدارة الصراع مع إيران ولبنان، والاحتواء أو الضبط بدل التصعيد المفتوح.
أن استراتيجية الاستنزاف الإقتصادي التي تراهن عليها واشنطن للضغط على إيران، لإجبارها على الرضوخ لمطالبها، قد تحولت تدريجياً لاستنزاف طاقات واشنطن وقدراتها ومع حلفائها. إن ذلك يحول التساؤل من مدى قدرة إيران على الصمود، إلى حدود الكلفة التي ستتحملها الولايات المتحدة لتبنيها هذا المسار. ويبقى التساؤل الأهم مرتبطاً بالتحولات الأكبر على مستوى توازن النظام الدولي نفسه.
