تفرض التطورات الجيوسياسية في المنطقة تحديات مباشرة على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، وعلى رأسها الأردن. فارتفاع أسعار النفط والغاز، وتقلبات الإمدادات، ينعكسان سريعًا على كلف الإنتاج، وعجز الميزان التجاري، ومستويات التضخم. في هذا السياق، لا يكفي التعامل مع الصدمة بردود فعل آنية، بل يتطلب الأمر إطارًا متكاملًا يقوم على استجابة زمنية متدرجة، تجمع بين الاحتواء السريع والإصلاح الهيكلي.
على المدى القصير، يجب تركيز الأولوية على امتصاص الصدمة وتخفيف أثرها المباشر على المواطنين والقطاعات الإنتاجية. كحزم دعم موجهة تقدمها الحكومة بدلًا من الدعم الشامل، بحيث يتم تخفيف كلف الطاقة على الفئات الأكثر تضررًا دون تحميل المالية العامة أعباء غير مستدامة. كما أن تخفيض الضرائب والرسوم على المحروقات بشكل مؤقت يمثل أداة فعالة للحد من انتقال الارتفاعات العالمية إلى السوق المحلي. إلى جانب ذلك، يبرز دور المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية كأداة لتخفيف التقلبات السعرية، في حين يمكن لتثبيت أو تأجيل تعديل تعرفة الكهرباء أن يمنح الاقتصاد هامشًا من الاستقرار. ولا تقل أهمية عن ذلك إجراءات الرقابة على الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية، إلى جانب إطلاق حملات سريعة لترشيد استهلاك الطاقة.
أما على المدى المتوسط، فإن التحدي يتحول من إدارة الأزمة إلى تقليل حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية. هنا تبرز أهمية تسريع مشاريع الطاقة المتجددة، خاصة أن الأردن يمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. كذلك، فإن التوسع في استخدام الغاز الطبيعي المسال عبر ميناء العقبة يساهم في تنويع مصادر التزود وتقليل الاعتماد على مصدر واحد. وفي السياق ذاته، يصبح تحسين كفاءة استخدام الطاقة أولوية، سواء في القطاع الصناعي أو في المباني الحكومية والخاصة، بما يخفف الطلب الكلي على الطاقة. كما أن دعم النقل العام وتطويره يشكل أداة مهمة لتقليل استهلاك الوقود، إلى جانب تقديم حوافز للاستثمار في قطاع الطاقة وتشجيع الصناعات على تبني تقنيات أقل استهلاكًا للطاقة.
في المدى الطويل، يتجاوز الهدف مجرد التكيف ليصل إلى تحقيق أمن طاقة مستدام. ويتطلب ذلك إعادة هيكلة شاملة لمزيج الطاقة الوطني، بحيث ترتفع مساهمة المصادر المحلية، خصوصًا المتجددة، في توليد الكهرباء. كما أن الاستثمار في تقنيات تخزين الطاقة، سيصبح عنصرًا حاسمًا لضمان استقرار الإمدادات في ظل التوسع في الطاقة المتجددة. ومن جهة أخرى، يمثل الربط الكهربائي الإقليمي فرصة استراتيجية لتعزيز أمن التزود وخفض الكلف. ولا يمكن إغفال أهمية تطوير بنية تحتية للنقل الكهربائي، بما يقلل الاعتماد على الوقود المستورد. وعلى المدى الأبعد، فإن الاستثمار في البحث والتطوير في قطاع الطاقة، إلى جانب التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، سيعزز من قدرة الأردن على مواجهة الصدمات المستقبلية.
صدمات الطاقة تكشف عن هشاشة الاعتماد الكبيرعلى الخارج، لكنها في الوقت ذاته تفتح نافذة لإعادة التفكير في السياسات الاقتصادية والطاقية. فالتعامل الفعال مع هذه الصدمات لا يقوم فقط على إجراءات مؤقتة، بل على رؤية متكاملة تبدأ بالحماية، مرورًا بالتكيف، وصولًا إلى التحول. وكلما نجح الأردن في تسريع هذا المسار، كلما تمكن من تقليل كلفة الأزمات المستقبلية وتحويل التحديات إلى فرص للنمو والاستدامة.
