عروبة الإخباري –
بعد توقفٍ قسري لعدة أيام فرضته ظروف الحرب، تعود الكلمات لتتنفّس من جديد… تبّاً للحرب، كم تبعث في النفس كآبةً خانقة، وكم تضيق معها مساحات الروح حتى يبدو الأفق رمادياً مثقلاً بالقلق والترقّب، وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأخبار الثقيلة، ويعلو فيه صخب المدافع على صوت الفكر، يشعر القلم أحياناً كأنه يتعثر بين ركام الأيام.
غير أنّ الأدب الحقيقي يعرف كيف ينهض حتى من بين الظلال. وها هي أيقونة الأدب العربي السامقة، الدكتورة فلك مصطفى الرافعي، تعود إلينا بقلمها الواثق وروحها المتقدة، لتكتب لنا من جديد “خلطتها” الأدبية الخاصة؛ تلك الخلطة التي تمتزج فيها الفكرة بالدهشة، والرمز بالسخرية الراقية، واللغة بعبق الشعر.
إنها خلطة لا تُقرأ فحسب، بل تُتذوّق كما تُتذوّق الثمار الناضجة في بساتين الربيع؛ كلمات تنساب كجدول صافٍ بين سهول المعنى، وتزهر كحديقةٍ من الصور والدلالات.. وفي زمنٍ تشتد فيه الحاجة إلى صوتٍ ثقافي رفيع يذكّرنا بإنسانيتنا، يأتي قلم الدكتورة فلك ليعيد إلى الأدب مكانته بوصفه ملاذاً للعقل والروح معاً.
ويأتي مقالها “خلطة فلك… على جدول الأعمال” نصاً أدبياً كثيف الدلالات، يتجاوز حدود المقال الصحفي التقليدي ليقترب من القصيدة النثرية أو اللوحة الرمزية التي تتقاطع فيها السياسة مع الفلسفة والوجدان. فالنص لا يقدّم فكرة مباشرة بقدر ما ينسج عالماً رمزياً متكاملاً، يجعل من الربيع بطلاً سردياً، ومن الطبيعة مرآةً تعكس اضطراب الواقع العربي وتصدعاته العميقة.
الربيع في هذا النص ليس مجرد فصلٍ من فصول السنة، بل هو رمز كوني للحياة والتجدد والحرية. غير أنّ الكاتبة تضعه في مواجهة واقعٍ مأزوم، حيث يتحوّل هذا الفصل البهيّ إلى “لاجئٍ موسمي” ينتظر إذناً بالدخول إلى أرضٍ كان يعبرها ذات يوم بلا حواجز. وهنا تبلغ السخرية ذروتها حين يصبح الربيع بحاجة إلى ترخيص، وإلى “إخراج قيد”، بل وحتى إلى إثبات طائفة، وكأن الطبيعة نفسها باتت خاضعة لمنطق الانقسام البشري الضيق.
ومن خلال هذا البناء الرمزي البارع، تكشف الكاتبة مفارقة موجعة: فبينما تسير قوانين الكون في انسجامٍ بديع لا يعرف الحدود، يغرق الإنسان في اختراع حدودٍ جديدة تُقسّم المكان والذاكرة والهوية. فالألوان التي هي في الأصل احتفال بالتنوع تتحوّل في النص إلى أعلامٍ للطوائف والبيئات، والزهور التي وُجدت لتزيّن الأرض تُجبر على اختيار الجغرافيا المذهبية التي يُسمح لها أن تنبت فيها.
ولعل من أجمل مفاصل المقال تلك اللحظة الساخرة التي يُطلب فيها من الربيع الكشف عن “حقائبه الوردية”، في إشارة بليغة إلى منطق الشك والتفتيش الذي بات يحكم العلاقات بين البشر. فحتى العطر الربيعي لم يعد بريئاً؛ إنه يخشى أن يُصادَر قبل أن ينتشر، وأن يفقد صلاحيته قبل أن يُشمّ.
وفي مستوى أعمق، يبدو المقال كأنه تأملٌ فلسفي في مأساة الهوية حين تتحول إلى أداة إقصاء. فالكاتبة لا تنتقد الطائفية بصيغة مباشرة، بل تجعل القارئ يراها في صورتها العبثية حين تُطبّق حتى على الطيور والزهور والحلويات. هنا يتجلّى ذكاء النص؛ فالسخرية الهادئة تصبح أبلغ من الخطابة، والرمز يغدو أكثر نفاذاً من التصريح.
أما استدعاء “الربيع العربي” في النص فيحمل بعداً آخر من المرارة التاريخية. فالتجربة التي حملت في بدايتها وعداً بالتحرر والكرامة تحوّلت، كما تشير الكاتبة، إلى اسمٍ بلا مضمون، أو إلى “انتحال صفة”، وكأن الحلم الكبير قد اختُزل في عنوانٍ دون روح.
ولا يغيب البعد الإنساني في المقال، بل يبرز في خاتمته حين تستحضر الكاتبة عيد الأم، وكأنها تذكّر القارئ بأن الأمل ما زال ممكناً رغم كل شيء. فالأم رمز الحياة الأولى، والربيع رمز ولادة جديدة، وبين الرمزين تتشكل مساحة وجدانية عميقة تذكّر بأن الحياة أقوى من الخرائط الضيقة التي يرسمها البشر.
ومن الناحية الأسلوبية، يلفت النص بانسيابه اللغوي وثرائه البلاغي. فاللغة هنا ليست مجرد أداة للتعبير، بل كائن حي يزدهر بالاستعارات والصور الشعرية. تتجاور المفردات السياسية مع مفردات الطبيعة، وتتقاطع النبرة الساخرة مع التأمل الفلسفي، في توليفة أدبية متماسكة هي ما يمكن أن نسمّيه بحق “خلطة فلك”.
وهذه الخلطة ليست مجرد أسلوب رشيق كما وصفها الأستاذ حسن صبرا، بل رؤية فكرية وجمالية تذكّرنا بأن الأدب قادر على إعادة ترتيب الأسئلة الكبرى في حياتنا. ففي عالمٍ تُختزل فيه المدن إلى ألوان، والإنسان إلى انتماء ضيق، يأتي هذا النص ليعيد الاعتبار لفكرة المواطنة بمعناها الإنساني الواسع.
وهنا تكمن قيمة المقال: فهو لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يكشف عبثها العميق. إنه يقول للقارئ، بطريقة غير مباشرة، إن الطبيعة نفسها ترفض هذه الانقسامات؛ فالسنونو لا يعرف الطوائف، والزهور لا تقرأ الخرائط، والربيع لا يسأل الأرض عن هويتها قبل أن يزهر فيها.
وهكذا يبقى السؤال الذي يتركه النص معلقاً في ذهن القارئ: هل أصبحنا نحن الغرباء في أرض الربيع، أم أن الربيع هو الذي صار غريباً في أرضنا؟
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتأجل فيه الفصول، يظل الأمل قادراً على أن يجد لنفسه مكاناً في “جدول الأعمال” يوماً ما. لأن الربيع، مهما تأخر، يبقى وعداً كامنًا في روح الحياة، ينتظر لحظة الانبثاق.
