أثار قرار مجلس النواب قبل أيام بإحالة مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2025 إلى لجنة العمل النيابية استياء شعبيا واسعا، إذ كانت الآمال معلقة على المجلس النيابي لرد مشروع القانون، اعتقادا من المتابعين أن تصويت النواب على رد المشروع سيؤدي إلى إنهاء مساره التشريعي.
غير أن الواقع الدستوري يشير إلى خلاف ذلك، فالمادة (91) من الدستور تنص صراحة على أن يقوم رئيس الوزراء بعرض مشروع كل قانون على مجلس النواب، الذي يملك حق قبول المشروع أو تعديله أو رفضه. وفي جميع الحالات يرفع المشروع إلى مجلس الأعيان، ولا يصدر قانون إلا إذا أقره المجلسان وصدق عليه الملك. بالتالي، فإن مشروع القانون الذي يرده مجلس النواب يجب أن يحال إلى مجلس الأعيان وفقا لأحكام الدستور.
إلا أن التساؤل الأبرز يتعلق بصلاحيات مجلس الأعيان إزاء مشروع القانون الذي رده مجلس النواب، وما إذا كانت صلاحياته تقتصر على تأييد قرار الرد أو رفضه، أم أن مجلس الأعيان يملك الحق الدستوري في مناقشة مشروع القانون برمته وإقراره أو إجراء تعديلات عليه رغم رده من مجلس النواب.
إن النظام الداخلي لمجلس الأعيان لم يتضمن نصوصا واضحة وصريحة تعالج صلاحيات المجلس التشريعية في التعامل مع مشروع القانون الذي رده مجلس النواب، الأمر الذي فتح المجال أمام اجتهادات متعددة في تفسير حدود هذه الصلاحيات. ومع ذلك، فإن الرأي الأغلب يميل إلى الاعتراف لمجلس الأعيان بسلطات كاملة في التعامل مع مشروع القانون الذي رفضه مجلس النواب، بحيث يثبت له الحق في قبول مشروع القانون بصيغته المرسلة من الحكومة، أو إدخال تعديلات عليه، أو حتى رده. وفي جميع الأحوال يجب إعادة إرسال مشروع القانون مرة ثانية إلى مجلس النواب.
لكن هذه المسألة لا تقف عند هذا الحد، إذ تظهر إشكالية تشريعية أكثر تعقيدا تتعلق بصلاحيات مجلس النواب في حال قرر مجلس الأعيان قبول مشروع القانون مع إجراء تعديلات عليه، وبمصير مشروع القانون إذا ما أصر مجلس النواب على قراره الأول برد المشروع وأعاد إرساله إلى مجلس الأعيان. فإذا أصر المجلس الثاني في السلطة التشريعية على موقفه من قبول مشروع القانون بالتعديلات التي أقرها مسبقا، فإن المادة (92) من الدستور تنص على عقد جلسة مشتركة إذا رفض أحد المجلسين مشروع أي قانون مرتين وقبله المجلس الآخر معدلا أو غير معدل، وذلك لبحث المواد المختلف فيها.
إن الحالة السابقة تتعلق بموقف مجلس النواب من رد مشروع القانون مرتين، في مقابل قبوله من مجلس الأعيان بعد إجراء التعديلات. وهنا يثور التساؤل حول مدى انطباق المادة (92) من الدستور التي تفرض على المجلسين بحث المواد المختلف عليها في الجلسة المشتركة. فالخلاف بين المجلسين لا يتعلق بمواد محددة من مشروع القانون ليتم بحثها في الجلسة المشتركة، بل يتمحور حول قرار مجلس النواب برد المشروع من أساسه مرتين في مقابل قرار مجلس الأعيان بقبوله مع إجراء بعض التعديلات عليه.
أما السيناريو التشريعي الثاني، وهو الأكثر إشكالية، فيتعلق بصلاحيات مجلس النواب في حال قرر الرجوع عن موقفه الأول برد مشروع القانون وقبوله بعد إعادة إرساله من مجلس الأعيان. وهنا يثور التساؤل حول ما إذا كان المجلس النيابي مقيدا بالبحث في المواد التي أدخل عليها مجلس الأعيان تعديلاته دون المواد التي أقرها كما هي، أم أن لمجلس النواب، في حال قرر تغيير موقفه من المشروع وقبوله، أن يعيد مناقشة مشروع القانون برمته، وأن يرفض المواد التي أقرها مجلس الأعيان في المرة الأولى، وأن يدخل تعديلاته الخاصة على تلك المواد التي حظيت بموافقة مجلس الأعيان.
إن هذه التساؤلات المشروعة بحاجة إلى معالجة صريحة في الأنظمة الداخلية لمجلسي الأعيان والنواب، والتي تهدف أساسا إلى تنظيم إجراءات العمل داخل كل مجلس أثناء ممارسته لمهامه وأعماله الدستورية في المجالين التشريعي والرقابي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة العملية التشريعية من جميع جوانبها واحتمالاتها، بما في ذلك تحديد صلاحيات كل مجلس في حال قرر رد مشروع القانون، وهي سلطة دستورية مقررة لكل من المجلسين عملا بأحكام المادة (91) من الدستور.
أما الأسس التي يجب البناء عليها في تنظيم هذه المسألة، فتقوم على عدم اعتبار قرار مجلس النواب برد مشروع القانون حالة استثنائية يمكن أن يترتب عليها تقليص من صلاحياته التشريعية في مناقشة بنود مشروع القانون وإدخال ما يراه مناسبا من تعديلات، في حال ما ثبت الحق لمجلس الأعيان بالتعاطي الكامل مع مشروع القانون الذي رده مجلس النواب وقام بإقرار عدد كبير من مواده وإدخال تعديلات بسيطة على مواده الأخرى. فيفترض في هذه الحالة أن يكون لمجلس النواب مطلق الصلاحية في ممارسة دوره التشريعي على مشروع القانون برمته، وألا يتم محاسبته في حال إصراره على قراره برد مشروع القانون للمرة الثانية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
