يشكل قرار السفارة الأمريكية في القدس توسيع نطاق خدماتها ليشمل مستوطنات في الضفة الغربية تحولا سياسيا وقانونيا بالغ الحساسية، يتقاطع مع جوهر الصراع ويضرب في عمق الأسس التي قامت عليها عملية السلام، فالخطوة لا يمكن قراءتها كإجراء تقني لن تجدي معه التبريرات العبثية وغير المقنعة التي أطلقتها السفارة، بل كإشارة سياسية ثقيلة الدلالة عبر إقرارها بشكل مباشر أو غير مباشر بإعادة رسم حدود التعاطي الدولي مع الأرض المحتلة، وهي تفتح الباب أمام تكريس واقع استيطاني يسابق الزمن لتثبيت معادلات جديدة على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، في وقت تتعرض فيه فكرة حل الدولتين لأشد الاختبارات في تاريخها، حيث يأتي هذا القرار ليضيف ثقلا جديدا إلى كفة السياسات التي تعمق الانقسام الجغرافي وتقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
على المستوى السياسي، يمنح هذا التوسع إشارة دعم لحكومة إسرائيلية متطرفة تمضي في تعميق مشروعها الاستيطاني وتعزيز حضورها في الضفة الغربية عبر سياسات فرض الوقائع على الأرض، وحين تقدم بعثة دبلوماسية كبرى خدماتها داخل مستوطنة، فإن ذلك يضفي بعدا عمليا على التعامل مع هذه المستوطنات ككيانات مستقرة وطبيعية، في وقت ما تزال فيه غالبية المجتمع الدولي تعتبر هذه المستوطنات غير شرعية بالأصل ومخالفة للقانون الدولي، وهذه الازدواجية في الواقع تضعف الثقة في أي رعاية أمريكية محتملة لمسار تفاوضي مستقبلي، وتغذي قناعة لدى الفلسطينيين وكذلك لدى معظم دول وشعوب المنطقة بأن ميزان الوساطة يميل بصورة واضحة إلى طرف على حساب آخر.
أما من الناحية القانونية، فالضفة الغربية تعد أرضا محتلة وفق قرارات الشرعية الدولية، ويخضع وضعها لأحكام اتفاقيات جنيف وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وإن محاولات تكريس حضور دبلوماسي داخل المستوطنات تطرح إشكالية تتعلق بمبدأ عدم الاعتراف بالوضع الناشئ عن الاحتلال، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي يهدف إلى منع تكريس نتائج القوة على حساب الحقوق الثابتة للشعوب، وأي سلوك يتجاوز هذا المبدأ يضعف البنية القانونية التي يستند إليها الفلسطينيون في مطالبتهم بدولة مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
انعكاسات القرار لا تقف عند حدود القانون، بل تمتد إلى صلب فكرة حل الدولتين، هذا الحل يقوم على افتراض إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة جغرافيا وسياسيا، وإن التوسع الاستيطاني وتكريس التعامل الرسمي معه يساهمان في تفتيت الأرض الفلسطينية وتحويلها إلى جيوب منفصلة، ما يقوض الأساس العملي لقيام دولة ذات سيادة متواصلة الأطراف، ومع كل خطوة أو محاولة لتعزيز اندماج المستوطنات في المنظومة الإدارية والخدمية الإسرائيلية، تتراجع المسافة بين الواقع القائم ومشاريع الضم الفعلي، مع ما يتركه ذلك من آثار سلبية على كل من مستقبل عملية السلام واستقرار المنطقة برمتها.
في السياق ذاته، تجد القوى الأكثر تطرفا في الحكومة الإسرائيلية في مثل هذه القرارات دعما معنويا وسياسيا، إذ يمكن توظيفها داخليا باعتبارها دليلا على تقبل دولي متنام لسياسات فرض الأمر الواقع، وهذا المناخ يشجع على تسريع إجراءات تغيير الحقائق على الأرض، سواء عبر التوسع الاستيطاني أو تشديد القيود على الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما يعمق حالة الاحتقان ويغلق آفاق ونوافذ الحل السياسي، ويزيد من أجواء التوتر والاحتقان في المنطقة.
في المحصلة، مهما حاول الاحتلال والقوى الداعمة له سواء كانت مقدمة عبر سلوكيات فردية أو مؤسسية ودبلوماسية، فإن حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ستبقى حقوقا ثابتة أقرتها قرارات دولية متعددة ومتعاقبة، وإن أي خطوة تبتعد عن هذا الإطار تضعف فرص السلام العادل والشامل، وتدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، وعليه فإن المطلوب اليوم واكثر من أي وقت مضى وجود موقف دولي واضح وحازم يعيد الاعتبار لمرجعيات الشرعية الدولية، ويضع حدا لسياسات فرض الوقائع، ويفتح أفقا سياسيا حقيقيا يفضي إلى تسوية قائمة على العدل والاعتراف المتبادل والاحترام الكامل لحقوق الشعوب، ودون ذلك سيبقى الحديث عن السلام معلقا بين النصوص والوقائع، بينما تتآكل على الأرض فرص قيام الدولة الفلسطينية وتتزايد احتمالات تقويض استقرار المنطقة ودخولها في دوامات صراع وعنف جديدة يوما بعد يوم.
