اللهم ارزقنا نِعم الصمت ولا تحرمنا نِعم القدرة على الكلام في أوانه واكتماله. ما زلنا نقول في آخر كلامنا وكتاباتنا، ونُشهد ما بين الوتين والخافقين سبحانه، على أن «الله من وراء القصد».
متى أوان الصمت ما لم يكن في أطيب المواسم وأكثرها بركة، مواسم الصيام فرضا ونافلة. من الجميل أن نذكّر بعضنا بعضا -فالمؤمنون إخوة- أن من ثمار الصيام في الديانات التوحيدية جميعها، وكذلك في كثير من المنظومات الأخلاقية والروحية في المعمورة، ومن تمامه وكماله، التحلي بالصمت والأداء الصامت أيضا، لكثير من الطاعات والنوافل. إن كانت الغاية هي الزّلفى، فالمقصود بالاقتراب من لدنه سبحانه هو العلّام بما في الصدور، وبما تسبّح به وتهلل له الجوارح، ناطقة كانت أم صامتة.
الانقطاع عن المأكل والمشرب أساسي في جميع أشكال الصيام بما فيها ذلك الطبيّ منها، ومن أروعه الصيام المتقطّع الذي بإمكانه لو تم حُسن الترويج إليه واعتماده على مدار العام وليس مواسم الصيام وحدها، لوفّر ملايين الدنانير التي تستحقها الموازنة العامة للدولة، وليس فقط قطاعها الصحي أو الغذائي، أو الضمان الاجتماعي..
الصمت أولى بنا ولنا، نلوذ به محرابا وصومعة وحصنا وملاذا. فلا صلاة دون تأمّل، ولا تأمّل دون صمت. ولا تدبّر دون التفكّر الصامت، أو التدبير بصمت للأمر كله، قبل الخروج إلى دائرة القول ومنها إلى دوائر الأفعال والردود عليها!
قد ينحدر الإسراف في الكلام أو الإفراط في الاتصال و التواصل، بصاحبه إلى ما يكفيه الصمت أو تغنيه اللامبالاة وعدم الاكتراث بكل ناعق أو زاعق.
تعرفت عن قرب في بواكير العمر على نِعم الامتناع عن الكلام خلال مواسم الصيام. تعلمت الصمت وآدابه وهو أبلغ من أصول الكلام وعلومه، تعلمت ما صار زاد الطريق في مشوار الحياة، تعلمت الصمت من معلماتي راهبات الكلدان-العراقيات، في الكويت الشقيقة. وقد زادت محبتي وانبهاري بعجائب ذلك الصيام «الروحي الأخلاقي» من خلال أصدقاء من أديان وطوائف عدة، منها أخوات وإخوة كرام، من المسلمين الصوفيين وطائفتي «كويكَرْز» و»آمِش»، إضافة إلى زملاء عمل ودراسة في بريطانيا وأمريكا، من البوذيين والهندوس.
الصمت طاقة كامنة جبارة، بالإمكان استحداثها وتطويرها وتعظيمها. وكم كان الآباء والأجداد حكماء بتدريبنا غير المباشر على مهارات الصمت في بيوتنا ومجالسنا ومدارسنا ومساجدنا وكنائسنا، حتى نصير فاعلين ناجحين في ميادين الحياة الخاصة والعامة.
تلك نِعم تفتقدها أجيال الألفية، المسماة تباعا «مِلِنْيَم»، «زِي» و»ألْفا»! يتولاهم الله بالحماية والرعاية، فعدد ليس بالقليل منهم يعانون عزلة أو انعزالية دون أن ينالوا أيا من نِعم الصمت ومنها السكون والسكينة. والأمر ليس مقصورا على ما يعرف بعرض أو مرض «نقص الانتباه وفرط الحركة» المعروف اختصارا ب «إيه دي إتش دي»!
الانفجار المعلوماتي والاتصالي زاد الهوة، اتساعا فصار الكبار والصغار يدسّون السماعات في إذني الرأس أو تعتليه تلك الخوذة الكاتمة للصوت، والعازلة لجميع أشكال الاتصال مع العالم الخارجي.. والخارجي هنا، هو كل ما هو غير «الأنا» التي حاصرت نفسها بالضجيج وبالتالي التشتيت الدائم!
لماذا يخاف بعض الناس الصمت؟ قرأت في ذلك الكثير، وما زلت أحرص على قراءة وفهم المزيد. فجر الأحد بدأت بغَرفَة كبرى من كتاب ينهل من معين تراثنا الروحي العظيم المكرس للصمت! ما ارتويت بعد. فالصمت محيط «غويط»، سبر أغواره ليس بالهيّن، لكن ماءه -من لطف الله- عذبٌ فُرات..
