عروبة الإخباري –
أصبحتُ أنتظر بفارغ الصبر إطلالة الدكتورة فلك مصطفى الرافعي اليومية، لأطالع خلطتها الفكرية والأدبية التي تقدمها لنا على مدار أيام شهر رمضان الفضيل… فهي لا تكتب مقالات عابرة، بل تصوغ تأمّلاتٍ تنبض بالوعي، وتمزج بين حرارة الواقع وروحانية الشهر الكريم، فتجعل من الكلمة مساحةً للتفكر والمراجعة وإعادة ترتيب الأسئلة الكبرى في حياتنا. ومع كل صباح رمضاني، تحمل إلينا جرعةً من الصدق والجرأة والجمال اللغوي، كأنها تضع بين أيدينا مرآةً نرى فيها الوطن والإنسان والذات، بعيداً عن الضجيج، قريباً من الضمير.
غير أنّها هذه المرّة خرجت قليلاً عن مسار تأملاتها الرمضانية المعتادة، لتكتب عن الوطن بلغةٍ أكثر حدّة ووجعاً، واصفةً إيّاه بأنّه في مرحلة “الموت السريري”، لم تكن كلماتها توصيفاً عابراً أو مبالغةً إنشائية، بل صرخة مثقفٍ يرى المشهد السياسي والمعيشي وقد بلغ درجةً من التعقيد والشلل تدفع إلى أقسى الاستعارات، فقد استبدلت جرعة السكينة بجرعة صادمة من الواقع، ورفعت منسوب الأسئلة إلى حدّ التشكيك في قدرة الجسد الوطني على النهوض، لكنها بقيت وفية لأسلوبها العالي، تمزج الأدب بالفكر، والرمز بالموقف، لتضع القارئ أمام مرآة لا تجامل أحداً.
وهكذا، بين روحانية الشهر ومرارة الواقع، جاءت كلماتها هذه المرة كجرس إنذار لا يمكن تجاهله، يفتح باب النقاش حول حال الوطن، ويستدعي وقفة تأمل صادقة قبل أن تتحول الاستعارة إلى قناعة، والوجع إلى صمت.
لا يمكن لأي قارئٍ منصف أن يمرّ على ما كتبته، الاستاذة الدكتورة فلك مصطفى الرافعي، مروراً عابراً، فنصّها ليس مقالاً سياسياً تقليدياً، بل قطعة أدبية مشبعة بالصور والاستعارات، تنبض بوجع مدينةٍ أرهقها الانتظار ولغتها العالية، وقدرتها على تطويع الرمز، واستدعاء الأسطورة لتوصيف الواقع، كلها تشي بثقافة عميقة وغيرة صادقة على الوطن، إنها لا تكتب من برجٍ عاجي، بل من قلب المعاناة اليومية، ومن إحساس المثقف الذي يرى المشهد في أبعاده الأخلاقية والإنسانية قبل أبعاده الإجرائية.
وعندما تشبه، د. فلك، الوطن بـ”الموت السريري” هو ليس تعبيراً عابراً؛ إنه صرخة فكرية، إعلان غضب على واقع سياسي مترهل، وعلى إدارةٍ للأزمات تبدو أحياناً كأنها تعايش العطب بدل إصلاحه، والحديث عن “الموت الرحيم” مجازٌ قاسٍ، لكنه يعكس مقدار الإحباط حين يشعر المواطن أن نبض الدولة يتباطأ، وأن مصالح الناس معلّقة بين إضرابٍ واعتصام، وخلافٍ على قانون، ومشاريع بنى تحتية بلا تخطيط يراعي حياة الناس اليومية.
غير أنني، مع كامل تقديري لعمق الطرح وقوته، أجد أن الوطن — مهما اشتدت أزماته — لا يدخل مرحلة الموت، بل يدخل مرحلة الاختبار.
الأوطان لا تُقاس فقط بأداء حكوماتها، ولا تُختصر بمشهد سياسي متشابك. صحيح أن الشلل الإداري يُتعب الناس، وأن الخلاف على التشريعات المصيرية يُقلق الشارع، وأن لغة التهديد بالحرب الأهلية كلما اختلفنا على قانون انتخاب تُعيد فتح جراحٍ لم تندمل بعد… لكن التاريخ يخبرنا أن المجتمعات التي تمتلك ذاكرة حيّة لا تموت بسهولة، بل تعيد ترتيب نفسها ولو بعد حين.
ما كتبته الدكتورة فلك هو مرآة صادقة لمشاعر شريحة واسعة من المواطنين. غير أن المرآة — مهما كانت دقيقة — تعكس اللحظة، لا المصير. اللحظة قد تكون قاتمة، لكن المصير ليس محسوماً.
نحن لا ننكر أن الفوضى في التخطيط تُرهق الأعصاب، وأن الازدحام الخانق يتحول إلى اختبار يومي للصبر، وأن الشائعات في مدينة خائفة قد تفعل ما لا تفعله الوقائع. لكن بين الفوضى والانهيار مسافة اسمها الإرادة، فحين تتوفر الإرادة السياسية، والإرادة الشعبية حين تتحول من غضبٍ عابر إلى ضغطٍ منظم، قادرة على إعادة توجيه البوصلة.
إن أخطر ما في استعارة “الموت الرحيم” ليس قسوتها البلاغية، بل احتمال تحولها إلى قناعة جماعية بأن لا جدوى من المحاولة. فحين يفقد الناس الإيمان بإمكانية الإصلاح، يتحول اليأس إلى ثقافة، والثقافة إلى سلوك، والسلوك إلى واقعٍ دائم.
الوطن ليس جسداً ينتظر رصاصة الرحمة.
الوطن كائنٌ معنوي، يعيش بقدر ما يؤمن أبناؤه بقدرته على الحياة.
لقد مرت أوطان كثيرة بمراحل ظنت فيها شعوبها أن النهاية قريبة. اختلفوا، تنازعوا، تعطلت مؤسساتهم، واشتدت أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية. لكن الفارق بين أمة انهارت وأمة نهضت كان في نقطة واحدة: هل استسلمت للنعي، أم قررت أن تبدأ من جديد؟
ما نحتاجه اليوم ليس إعلان حدادٍ على الوطن، بل إعلان مسؤولية تجاهه.
مسؤولية الحاكم في تقديم رؤية واضحة وخطط مدروسة تراعي مصالح الناس.
مسؤولية المعارضة في أن يكون اعتراضها جسراً للإصلاح لا وقوداً للتعطيل.
ومسؤولية المثقف — وهنا تكمن أهمية ما تكتبه الدكتورة فلك — في أن يوقظ الضمير دون أن يطفئ جذوة الأمل.
الخطاب النقدي ضرورة، بل هو شرط من شروط العافية. لكن النقد حين يُقرن بإمكانية الحل يصبح قوة بناء، لا مجرد صرخة في الفراغ. ونحن أحوج ما نكون اليوم إلى خطابٍ يجمع بين الجرأة في التشخيص والإيمان بإمكان الشفاء.
قد يكون الوطن مريضاً، نعم.
قد تكون مؤسساته مرهقة.
قد تكون شوارعه مثقلة بالحفر، وسماؤه مشبعة بالشائعات.
لكن المرض لا يعني الوفاة.
والتعب لا يعني النهاية.
والاختلاف لا يعني الحرب.
الوطن الذي أنجب هذا القدر من الفكر والوعي لا يليق به أن يُختصر بصورة سريرٍ بارد في غرفة عناية. الوطن أقرب إلى كائنٍ يمرّ بعاصفة، تتساقط أوراقه، لكنه يحتفظ بجذوره في الأرض.
أحيّي في الدكتورة فلك صدقها وبلاغتها وحرصها الصارخ على الوطن. وأختلف معها — بمحبة — في النتيجة، لأنني أرى أن هذا الوطن، مهما اشتد عليه الليل، لم يصل إلى لحظة إعلان الوفاة، بل إلى لحظة مراجعة الذات.
الوطن لا ينتظر الموت الرحيم.
الوطن ينتظر يقظةً رحيمة.
ينتظر شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وإرادة الإصلاح، وإيمان الناس بأنهم ليسوا شهوداً على الاحتضار، بل شركاء في الإحياء.
وبين الموت والحياة… دائماً هناك قرار.
