المؤتمرات البيت الأبيض الصحفية والعلاقة بين الرئيس والرئاسة والصحافة، علوم وآداب، تقاليد وأسرار. سُكب المداد وسُفك الحبر على صفحات مئات ولربما الألوف من أوراق الصحف والدوريات المتخصصة والكتب، خاصة تلك التي ألفها وقدّمها للرأي العام من تولوا أمانة هذا المنصب الذي صار أكثر أهمية وخطورة، ألا وهو موقع المتحدث باسم البيت الأبيض.
قد يكون من المناسب حصر الأمر بمن شغلوا هذا المنصب الرفيع أمريكيا والمرموق عالميا، بولايتي ترمب، بدءً من شون سبايسر، مرورا بسارة هاكَبي (ابنة السفير الأمريكي الحالي في إسرائيل مايك هاكبي والتي خلفت والدها في موقع حاكم ولاية آركسنو (مازالت تكتب آركنساس خلافا للفظها وتقيّدا «حنبليا» بتهجئتها الحرفية)، وانتهاءً بكيلي ماكْنَني، آخر من تولى المنصب في الولاية الأولى.
ما حققته أصغر من شغل المنصب في تاريخ أمريكا والعالم-تولت منصبها وعمرها ثمانية وعشرين عاما- كارولايْن ليفيت، ما حققته في أقل من تسعة أشهر فاق التوقعات وزاد من صعود نجمها. في حين يرى الخصوم فضلا عن الملتزمين بالتقاليد العريقة المتعارف عليها دوليا للصحافة وللسياسة وللبروتوكولات الخاصة بكل منها، يرون في أدائها المدعوم من رئيسها والفريق الإعلامي العامل معه، خروجا عن المألوف وعلى نحو قد يثير متاعب لها وللإدارة.
حادثتان جديرتان بالتوقف. الأولى الرد اللاذع على صحفي أمريكي تساءل عن سر اختيار بودابست مكانا للقمة التي تم إلغاؤها بين الرئيسين الأمريكي والروسي، والذي تكرر عند طرحه سؤالا أو تساؤلا من الطبيعة ذاتها، الإشكالية الاستفزازية، افتعالا لمواجهة، ومن ثم إثارة تصبح «ترندا» أو ما كان يعرف في الصحافة المصرية العريقة ب «الفرقعة الإعلامية»!
كان سؤاله الثاني عن سر اختيار وزير الحرب (الدفاع سابقا) بيت هِغْزِثْ ربطة عنق عند استقبال رئيس أوكرانيا زيلينسكي وكأنها ألوان العلم الروسي! فكان رد الناطق باسم البنتاغون على غرار ليفيت، بأن الاختيار كان عائدا «لأم الصحفي»! وأن الألوان هي ألوان العلم الأمريكي واصفا «الصحفي» بالأحمق..
من الطبيعي أن يستهجن -لا بل- وأن يسارع الناس وخاصة الصحفيون للإدانة، لكن ذلك «الصحفي» معروف لدى الإدارة في عدائه الشخصي وليس الحزبي فقط مع ترمب، وكرس كتابا ورد في عنوانه وصفا مسيئا للرئيس على نحو شخصي غير لائق بمقام القادة فكان تصرفه تصرف ناشط معارض لا أداء صحفي مهني أو محترف.
العبرة تكمن في أنه لا مكان عند الصحفي المهني لل «أنا» وإن كان نجما. وجود الصحفي في البيت الأبيض لحضور مؤتمر صحفي ليس دعوة شخصية لمناسبة اجتماعية، بل دعوة لأداء واجب مهني وممارسة حق طرح أسئلة مهنية لا تسجيل مواقف أو نقاط سياسية ولا حتى من يصنفه النشطاء المتخفون خلف مهنة المراسل الصحفي مواقف «وطنية أو دينية أو حتى إنسانية» هذا ليس دوره والمكان ليس مكان هذا النوع من حرية التعبير. مهنيا، يفترض أن يكون السؤال أو التتابع في الأسئلة بعيدا عن الاستدراج الذي بات مفضوحا مقيتا، للاشتباك لغاية إحداث جلبة وإثارة وترندات!
أما المسألة الأخرى، فتتعلق بالشكل، والذي صار هو الآخر جزءا من الحضور المهني. هيئة الصحفي ولغته وحتى لهجته ونبرته كلٌ متكامل قد يساهم بإنجاحه أو إفشاله، مضحيا بذلك بالواجب، وهو طرح السؤال الأهم في أفضل صيغة دون إطناب أو استعراض أو تكلّف. يطرح بسرعة لا تفرّط بالوقار -وقار المهنة وهيبة المكان- في بداية المؤتمر الصحفي أو نهايته (إن ضمن المراسل ذلك)، أو في نقطة الذروة التي يتم جنى معلومة أو موقف يتصدر العناوين أو يعيد الجو العام للمؤتمر الصحفي من التوتر المشحون إلى مساحة من الأريحية تعين الصحفي الألمعي على استخلاص التجاوب المفيد مع مضيف البيت الأبيض أو ضيفه.
الأسبوع الماضي تكرر موقف لافت منذ عودة ترمب إلى البيت، عندما اضطر الرئيس إلى طلب المعونة من وزيرة العدل بام بوندي، لفهم سؤال صحفية استصعب فهم لكنتها الفرنسية. قبلها بشهرين، حصل موقف مشابه مع صحفية من الوفد المرافق لصديقه رئيس وزراء الهند ناريدرا مودي، سألت أيضا باللغة الإنجليزية السليمة، لكن بلكنة هندية لم يستطع ترمب فهمها إلا بعد ترجمة إنجليزيتها الهندية إلى الإنجليزية الأمريكية!
ليس سرا إن من التدريبات التي يتلقاها المتعاملون مع الصحافة اللجوء إلى أساليب عدة من بينها التعذر بعدم سماع صوت الصحفي أو الصحفيين كما فعل الرئيس الروسي بوتين في قمة آلاسكا. وبعضهم من يظهر عدم فهم المراد من طرح السؤال أحيانا، لهز ثقة الصحفي السائل بنفسه وإحراجه أمام أقرانه في تغطية مباشرة. ولذلك أيضا تدريبات مضادة -إن جاز التعبير- لكن الأكثر خطورة من كل ما سبق، هو زعم المسؤول أنه لم يرَ يد الصحفي، أو الصحفي السائل نفسه «كله على بعضه»، لزحام السائلين وضجيج المتسائلين!
من الآخر، ليست وحدها السياسة فن، الصحافة أيضا فن.. وكلاها كالقيادة الآمنة، تتطلب أيضا اكتمال المثلث متساوي الأضلاع: فن وذوق وأخلاق.
