رغم حجم الكارثة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، وفي مخيمات النازحين، نتيجة الإبادة الجماعية وما خلّفته من كارثة إنسانية واسعة منذ السابع من أكتوبر، فإن معاناة أبناء شعبنا في محافظات الضفة الغربية ومخيماتها والقدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية لا تقل خطورة من حيث الأبعاد الإنسانية والحياتية.
ففي قطاع غزة والضفة الغربية، تتواصل الاعتداءات اليومية من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي. وفي الضفة الغربية، تواصل مجموعات من المستوطنين المسلحين اعتداءاتها بدعم وإسناد جيش الاحتلال الإسرائيلي على المواطنين الفلسطينيين العزل، وعلى منازلهم وممتلكاتهم وحقولهم، بما في ذلك مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات.
وفي ظل هذه الظروف، ومخطط التهجير.. تتواصل أزمة السلطة الفلسطينية المالية، في وقت تحتجز “إسرائيل” أموال المقاصة، والتي تقدر 6 مليار دولار أمريكي من عائدات الضرائب الفلسطينية. كما يعاني الموظفون المدنيون والعسكريون والمتقاعدون، داخل الوطن وفي الشتات، من أزمات مالية مستمرة منذ سنوات، ولم تجد طريقها إلى الحل، سواء قبل السابع من أكتوبر أو بعده. والتي تتصاعد.
وفي المقابل، نجد أن الحكومة الفلسطينية وكبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية يعيشون، في نظر كثير من المواطنين، بعيدًا عن الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.
فعلى سبيل المثال، عندما يزور رئيس الوزراء إحدى مناطق الضفة الغربية، يظهر موكب كبير يضم عددًا من السيارات قد يتجاوز 25 سيارة. ومثل هذه المواكب، من وجهة نظر الكاتب، لا تنسجم مع واقع الشعب الفلسطيني الذي يعيش في الضفة الغربية ومخيماتها وقطاع غزة، ويواجه أوضاعًا اقتصادية وإنسانية صعبة.
إن الأزمة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية أزمة حقيقية، ومعالجتها لا ينبغي أن تكون على حساب الموظفين والمتقاعدين أو الأسرى وعائلات الشهداء، أو من خلال استمرار سياسة صرف نصف الراتب في أفضل الأحوال.
المطلوب اليوم إعادة هيكلة نظام الإنفاق في السلطة الفلسطينية، ووقف هدر المال العام، ومراجعة أوجه الإنفاق والمصروفات التي لا تتناسب مع الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
ومن الضروري أيضًا إعادة النظر في بعض الامتيازات، ومنها نفقات السفر وتذاكر الطيرانVIP والحد من السفر بدرجات رجال الأعمال ، إضافة إلى مراجعة الامتيازات المرتبطة بالسفر عبر الجسر، بما ينسجم مع حالة التقشف التي يفترض أن تراعيها مؤسسات السلطة. وزارة المالية وفي نفس الوقت يجب محاسبة كل من يثبت تورطه في الفساد المالي أو الإداري، بما في تعين” السفراء” وتفعيل مبدأ «من أين لك هذا؟»، وترسيخ قاعدة أن لا أحد فوق القانون والمساءلة.
ولوقف هدر المال العام، ينبغي كذلك مراجعة أوضاع السفارات والبعثات الدبلوماسية، ودراسة عدد العاملين فيها والامتيازات الممنوحة لهم، بما يتناسب مع حقيقة أننا ما زلنا نعيش سلطة تحت الاحتلال، وفي إطار حركة تحرر وطني، وبما يراعي الإمكانات المالية المحدودة للشعب الفلسطيني.
إن مواجهة الفساد المالي والإداري مسؤولية وطنية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها قضية ثانوية. فالفساد، عندما يتحول إلى هدر للمال العام وإضعاف للمؤسسات وثقة المواطنين، يصبح عاملًا يزيد من معاناة الشعب ويعمّق أزماته.
المطلوب اليوم إدارة المال العام بأعلى درجات المسؤولية والشفافية، وترشيد النفقات، ومحاسبة المخالفين، وتوجيه الموارد نحو الموظفين والمواطنين والفئات الأكثر احتياجًا، بما ينسجم مع حجم التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني..
نتذكر الزعيم الخالد ياسر عرفات..الذي عاش ومات وهو يرتدي الملابس العسكرية ويرثيها من الثقوب.
17
