في الأردن، لا نقول “نشمي” و”نشمية” باعتبارهما مجرد كلمتين في قاموس اللغة، بل نقولهما وكأننا نستحضر تاريخًا من النخوة والمروءة والكرامة والوفاء والفزعة. فالنشمي هو الذي تجده إلى جانبك عندما تضيق بك الدنيا، والنشمية هي التي يكون حضورها سندًا، ومحبتها بيتًا، وكرامتها عنوانًا.
ومن هنا يأتي الارتباط التراثي الجميل بين “النشمي” وشجرة النَّشَم، تلك الشجرة الجبلية القوية، وتلك الشجرة التي عُرفت في التراث العربي بقوة خشبها ومرونته، حتى استُخدمت أغصانها في صناعة القِسيّ (الأقواس) . ولعل في شجرة النَّشَم صورةً رمزية بديعة للإنسان الأردني.
فالنشمي، كالنَّشَم، قويّ ولكن ليس قاسيًا، ثابت ولكن ليس جامدًا، مرن ولكن ليس ضعيفًا. يعرف كيف يقف عندما تستدعي المواقف الوقوف، وكيف ينحني أمام الكبير احترامًا، دون أن ينحني أمام الظلم أو المهانة.
والنشمي الحقيقي لا يسأل: “ماذا سأربح؟” قبل أن يسأل: “من يحتاجني؟”.
فالفزعة ليست مجرد عادة اجتماعية، وإنما هي تعبير عن قلب لا يستطيع أن يرى محتاجًا ويبقى متفرجًا.
وفي ثقافتنا الأردنية، كانت الجيرة عهدًا، والضيافة كرامة، وإغاثة الملهوف واجبًا، وحفظ العهد شرفًا، والوقوف مع الصديق في الشدة مقياسًا للأصالة.
ولذلك لم تكن” النشمية” أقل حضورًا من “النشمي”، فالمرأة الأردنية حملت عبر الأجيال ذات القيم من الصبر والعطاء والتضحية والكرامة، وكانت في كثير من البيوت جذر الشجرة وظلّها وثمرها في آن واحد.
وإذا كان النَّشَم قويًا في جذوره وأغصانه، فإن الإنسان الأصيل قوي في جذوره وقيمه. وإذا كان الغصن يمكن أن ينحني أمام الريح دون أن ينكسر، فإن الإنسان الحكيم يعرف أن المرونة ليست ضعفًا، وأن التواضع ليس هزيمة، وأن الرحمة لا تنتقص من القوة.
لكن النشمية والنشمي لا يُقاسان بالكلمات التي يقولانها عن نفسيهما، بل بالمواقف التي تُظهر معدنهما. فـالنشامة لا تُعلن عن نفسها؛ المواقف تكشفها.
وهنا ربما تكمن أجمل رسالة يمكن أن نتعلمها من شجرة النَّشَم: أن الإنسان، مهما علا شأنه، يحتاج إلى جذور. جذور في الأرض، وجذور في الوطن، وجذور في الأسرة، وجذور في القيم والإيمان والإنسانية.
فليس المهم أن نُسمّى نشامى ونشميات، بل أن نستحق هذه التسمية. أن نكون أهل نخوة عندما يحتاجنا الآخرون، وأهل مروءة عندما نختلف، وأهل وفاء عندما تتغير الظروف، وأهل كرامة دون تكبر، وأهل قوة دون ظلم، وأهل محبة دون شروط.
فإن كانت شجرة النَّشَم قد أصبحت في الذاكرة الشعبية رمزًا للقوة والمرونة، فإن النشمي والنشمية هما شجرة الإنسان التي تضرب جذورها في أرض الأردن، وتكبر أغصانها بالعطاء، ويُعرف ثمرها من أثرها في الناس.
وهكذا تبقى النشامة ليست كلمة نرددها، بل سلوكًا نعيشه، وأمانة نحملها، وإرثًا نورثه للأجيال
