تصاعدت الضغوط الاقتصادية على إيران مع دخول الحرب شهرها السابع، إذ واصل التضخم ارتفاعه إلى نحو 90% مع انخفاض سعر العملة، وسط حصار أميركي خانق يمنع تصدير الخام الإيراني، فيما يستمر تدفق النفط عبر مضيق هرمز، مع فقدان طهران لقبضتها على المضيق، رغم هجماتها على الملاحة بالممر المائي.
ويشكل هذا المزيج ضغطاً قاسياً حتى على نظام اعتاد العقوبات والمصاعب الاقتصادية، فيما لا تزال العملية الدبلوماسية مع واشنطن للتوصل إلى اتفاق، تراوح مكانها، وفقاً لـ”بلومبرغ”.
وتكتسب هذه الضغوط أهمية لأنها قد تجبر إيران على الاختيار بين تقديم تنازلات في محاولة لإحياء محادثات السلام، أو تصعيد صراع يلحق بالفعل أضراراً باقتصادها.
وتأتي خسارة إيران بعض نفوذها في المضيق في وقت تواجه فيه وضعاً اقتصادياً متردياً في الداخل، إذ يؤدي التضخم المتصاعد إلى تآكل قدرة الإيرانيين العاديين على تحمل تكاليف المعيشة، مع فقدان الريال نحو 25% من قيمته مقابل الدولار خلال الشهرين الماضيين، ما يجعل السلع المستوردة أكثر تكلفة.
وبلغ سعر بيع الدولار السبت، نحو 2.688 مليون ريال، ارتفاعاً من 2.632 مليون ريال الجمعة، فيما أظهر موقع AlanChand.com أن الدولار سجل نحو 2.695 مليون ريال.
ويواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أيضاً مأزقاً، إذ يقترب سعر النفط من 100 دولار للبرميل، بينما تلحق أسعار الوقود المرتفعة ضرراً بالمستهلكين الأميركيين قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، وقد تشكل الضغوط الداخلية على ترمب جزءاً من حسابات طهران.
“مرحلة صعبة.. ووضع مؤلم للغاية”
وأكدت تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي وجود ضغوط داخلية كبيرة، إذ قال السبت، إن البلاد تمر بإحدى “أصعب المراحل”، مشدداً على أهمية تنسيق جهود مختلف المؤسسات ودعم الحكومة في إدارة الأوضاع الحالية.
وأشار رضائي إلى مسار المفاوضات، مؤكداً “جدية طهران” في مواصلته، وأضاف أن المجلس الأعلى للأمن القومي “مستعد لتقديم ما يلزم من دعم وتعاون في الملفات الاقتصادية للمساعدة في إدارة الظروف الراهنة”.
وقال مسؤول إيراني في طهران لـ”بلومبرغ”، طلب عدم الكشف عن هويته حتى يتمكن من التحدث بصراحة، إن الوضع الاقتصادي في إيران “مؤلم للغاية، لكن البلاد تتكيف معه”.
وأضاف أن طهران تستعد لحملة قصف أميركية جديدة، قد تكون أكبر من سابقتها، لكنها “تملك القدرة على الرد”، على حد قوله.
قبضة تزول من على المضيق
ومنذ بداية الحرب، تمثل أكبر مصدر نفوذ لإيران في قدرتها على إغلاق مضيق هرمز فعلياً، وأدى تعطيل حركة الملاحة فيه إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي وزيادة التضخم العالمي، ما فرض كلفة سياسية على ترمب في الداخل.
لكن قبضة إيران على الممر المائي، وقدرتها على تقييد صادرات النفط عبره، آخذتان في الضعف، وتقدر “جيه بي مورجان” أن شحنات النفط الخام من الشرق الأوسط تعافت إلى 17.5 مليون برميل يومياً، أو 98% من مستويات ما قبل الحرب.
ومع ذلك، لا يزال هناك جدل بشأن ما إذا كانت إيران لا تزال تملك اليد العليا في السيطرة على الممر البحري. وقال مسؤول دفاعي كبير في المنطقة إن إيران لا تزال تحتفظ بدرجة كبيرة من السيطرة على المضيق. في المقابل، شدد مسؤول كبير آخر في قطاع الطاقة على أن قبضة طهران “تتراخى، رغم الهجمات المتكررة على السفن”.
وقال أرمان محموديان الباحث في جامعة جنوب فلوريدا لـ”بلومبرغ”، إن نفوذ إيران على مضيق هرمز “تغير”.
وأضاف: “تشير الزيادة التدريجية في شحنات النفط إلى أن الولايات المتحدة تجد طرقاً لطمأنة مشغلي الناقلات بشأن سلامة العبور. وفي الوقت نفسه، أعتقد أن شركات الشحن تتجاوز تدريجياً مرحلة الذعر الأولية وتبدأ في تقبل عدم الاستقرار في مضيق هرمز باعتباره جزءاً من الواقع الجديد”.
“فرصة ضئيلة لإبرام اتفاق”
ويرى مسؤولون إيرانيون فرصاً ضئيلة لإبرام اتفاق سلام قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 نوفمبر، ويعتقدون أن هناك احتمالاً كبيراً للتصعيد بعد ذلك. وقال الحرس الثوري الإيراني، الجمعة، إنه مستعد لتوجيه “رد فوري ومؤلم” على أي عدوان أميركي أو إسرائيلي.
وقالت أنيسة بصيري تبريزي، الزميلة المشاركة في “تشاتام هاوس”، لبلومبرغ “يريد الجانبان عموماً التوصل إلى اتفاق، لكنهما يتحركان بعيداً عن بعضهما بدلاً من الاقتراب”.
وأضافت أنه مع ارتفاع صادرات النفط من المنطقة “تشعر الولايات المتحدة بأنها أقوى في مضيق هرمز مقارنة بما كانت عليه قبل بضعة أسابيع”.
توقف تصدير النفط الإيراني
وفي سبتمبر، لم تشحن إيران أي نفط خام على متن ناقلات، وفق تقديرات أولية لبلومبرغ. وكانت تلك المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ بدء الحرب، ما يسلط الضوء على الفاعلية المتزايدة للحصار الأميركي على موانئها.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الجمعة، في مقابلة مع “أكسيوس”: “للمرة الأولى في التاريخ، منذ أن بدأوا ضخ النفط، لن يكون لديهم أي نفط على الماء هذا الأسبوع”. وأضاف: “لن تكون لديهم إيرادات”.
ولا تزال إيران تزود بعض المصافي الصينية بالنفط من مخزونات شُحنت في وقت سابق وتوجد في آسيا. لكن تلك المخزونات قد تنفد قريباً، ما يزيد من تقليص أهم مصدر لإيرادات الحكومة.
وأعادت طهران توجيه جزء أكبر من تجارتها عبر الحدود البرية وبحر قزوين، لكن هذه الطرق لا تستطيع تعويض الضغوط بالكامل. وذكرت وسائل إعلام رسمية ارتفاع حركة الشاحنات والتأخيرات عند المعابر مع تركيا وباكستان في سبتمبر، فيما يوفر بحر قزوين لطهران منفذاً بحرياً إلى حليفتها روسيا.
وتوسع واشنطن ضغوطها الاقتصادية. ففي الأول من أكتوبر، فرضت عقوبات على أكبر شركات صناعة السيارات في إيران وعدد من شركات السكك الحديدية، كما بدأت إجراءات استهدفت قطاع الطيران تؤتي ثمارها، وفق “بلومبرغ”.
وأظهر ترمب ميلاً متجدداً إلى التصعيد العسكري مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وقال هذا الأسبوع إن توجيه ضربات أشد إلى إيران “ممكن” بعد انتخابات 3 نوفمبر، بينما أعلنت وزارة الحرب إرسال حاملة الطائرات “يو إس إس ثيودور روزفلت”، إلى جانب قوات إضافية، إلى الشرق الأوسط.
وهدد ترمب مراراً بشن هجمات لم ينفذها في نهاية المطاف. وفي يوليو، تعهد بضرب الجسور ومحطات الطاقة رداً على الهجمات على الملاحة، قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة. ومع ذلك، فإن اقتراب انتخابات التجديد النصفي واستياء الناخبين من تعامله مع الحرب يمنحانه حافزاً لكسر الجمود.
