عروبة الإخباري –
الدستور – رنا حداد –
في الوقت الذي يتقدم فيه مشروع التحديث السياسي في الأردن، تطرح ورقة بحثية جديدة سؤالاً حول حضور القضايا السياسية والاجتماعية في المسرح والدراما الأردنية، وما إذا كان تراجع هذا الحضور يرتبط بتراجع اهتمام الفنانين بالسياسة، أم بأزمة أوسع تتصل بالتمويل والإنتاج والعرض والتوزيع وحدود التعبير. الورقة التي أصدرها معهد السياسة والمجتمع بعنوان «السياسة في المسرح والدراما الأردنية: أزمة منظومة الإنتاج وحدود التعبير»، ترى أن حضور السياسة في العمل الفني لا يرتبط بالضرورة بظهور الأحزاب أو الانتخابات أو الشخصيات الرسمية، بل يمتد إلى موضوعات الفساد والبطالة والحريات وعلاقة المواطن بالمؤسسات والعدالة الاجتماعية والهوية، إلى جانب الطريقة التي ينظر بها الفن إلى التحولات التي يعيشها المجتمع.
وتنطلق الورقة من مفارقة أساسية تتمثل في تراجع قدرة المسرح والدراما على تحويل التحولات السياسية والاجتماعية إلى نقاش فني ومجتمعي مستمر، رغم استمرار حضور هذه القضايا في الحياة اليومية والنقاش العام.
بحسب الورقة، فإن تفسير تراجع الأعمال التي تتناول القضايا الحساسة باعتباره نتيجة مباشرة لتراجع جرأة الفنانين، لا يحيط بكامل المشكلة؛ إذ تتداخل مجموعة من العوامل، بينها ضعف التمويل المستدام، وتراجع الإنتاج والتكليف المحلي، ومحدودية قنوات العرض والتوزيع، والمخاطر التجارية، إلى جانب الضغوط القانونية والإدارية والاجتماعية.
وتشير الورقة إلى أن بعض المنتجين والفنانين قد يستبعدون موضوعات أو شخصيات حساسة قبل وصول العمل إلى مرحلة الإنتاج، نتيجة المخاوف من المساءلة أو الاعتراضات الاجتماعية أو الخسائر التجارية. وفي مثل هذه البيئة، يمكن أن تبدأ الرقابة الذاتية في مرحلة اختيار الفكرة أو كتابة النص، وليس فقط عند عرض العمل أمام الجمهور.
وتشدد الورقة على ضرورة التمييز بين المنع الرسمي والقيود الإدارية والمخاوف القانونية والاعتراض المجتمعي والحسابات التجارية، باعتبار أن لكل منها طبيعة مختلفة وتأثيراً مختلفاً على صناعة الدراما والمسرح.
التمويل.. الحلقة الأكثر هشاشة
وتضع الورقة أزمة التمويل في قلب المشكلة، مشيرة إلى أن الاعتماد على المنح المتقطعة والمهرجانات الموسمية لا يوفر بالضرورة دورة إنتاج مستمرة، ولا يساعد على بناء مواسم عرض منتظمة أو علاقة طويلة الأمد مع الجمهور.
كما تطرح مقارنة بين السياسات التي تستهدف استقطاب الإنتاج السينمائي إلى الأردن، وبين الحاجة إلى أدوات موازية تدعم الإنتاج الدرامي والمسرحي المحلي، بدءاً من تطوير النصوص والبحث، مروراً بالإنتاج، وصولاً إلى التوزيع والعرض. وبحسب الورقة، فإن جذب الإنتاج السينمائي إلى الأردن يمكن أن يحقق نشاطاً اقتصادياً مرتبطاً بالتصوير والخدمات، لكنه لا يؤدي تلقائياً إلى بناء صناعة سردية أردنية؛ فهذه الأخيرة تحتاج إلى الاستثمار في الكتاب والمخرجين والمنتجين والنصوص المحلية وقنوات التوزيع.
وتربط الورقة بين محدودية التمويل وارتفاع كلفة الإنتاج، وبين تردد المنتج في خوض مغامرة عمل شديد الخصوصية المحلية أو يتناول موضوعاً سياسياً أو اجتماعياً حساساً، خصوصاً في ظل سوق محدودة وفرص توزيع غير مضمونة.
وتمنح الورقة التلفزيون الأردني مساحة أساسية في نقاش مستقبل الدراما المحلية، باعتباره مؤسسة كان لها دور تاريخي في إنتاج أعمال أردنية والوصول بها إلى الجمهور العربي.
وتطرح تساؤلات حول تراجع التكليف والإنتاج المنتظم، ومدى قدرة التلفزيون على استعادة دوره في دعم الدراما الأردنية وتسويقها، خصوصاً أن بناء صناعة محلية لا يعتمد على عدد الأعمال المنتجة في سنة واحدة، وإنما على انتظام دورة الإنتاج وتراكم الخبرة وبناء الجمهور.
وترى الورقة أن وجود إنتاج أردني خلال المواسم الرمضانية لا يكفي وحده للحكم على قوة القطاع، إذ إن الاستدامة تتطلب منظومة تبدأ من تطوير النص ولا تنتهي عند التصوير، بل تشمل العرض والتسويق والتوزيع والوصول إلى الجمهور.
التاريخ الأردني.. مادة درامية لم تستثمر بما يكفي
ولا تقف الورقة عند الإنتاج المعاصر، بل تطرح أيضاً سؤالاً حول محدودية تحويل محطات من التاريخ الأردني والتحولات الاجتماعية والسياسية التي مر بها المجتمع إلى أعمال درامية ومسرحية واسعة.
وتشير إلى أن محطات مثل الثورة العربية الكبرى ومعركة الكرامة وتجارب الجيش والمجتمع والتحولات الإقليمية تحمل إمكانات سردية، لكنها تحتاج إلى بحث وأرشيف وكتابة درامية وإنتاج قادر على تقديمها بعيداً عن المعالجة التقريرية.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الورقة أن بناء السردية الوطنية لا يعني فرض رواية رسمية واحدة على الفنان، بل توفير المصادر والأرشيف والبحث والدعم، وترك مساحة للتعدد في المعالجة والتأويل. وهذا يمتد، بحسبها، إلى القضايا التي يعيشها الأردنيون اليوم، من العمل والسكن والتعليم والهوية والتحولات الحضرية في المدن والمحافظات، باعتبارها موضوعات يمكن أن تحمل أبعاداً سياسية واجتماعية حتى من دون تناول السياسة بصورة مباشرة.
الجمهور لم يختفِ
وفي مقابل الحديث عن ضعف الجمهور، تشير الورقة إلى وجود مؤشرات على استمرار اهتمام شرائح من الجمهور بالأعمال القريبة من قضاياها، معتبرة أن المشكلة قد تكون في انتظام العرض والوصول إلى الجمهور أكثر من كونها فقداناً كاملاً للاهتمام.
وتبرز هنا أهمية المواسم المسرحية المنتظمة، وتوسيع العروض خارج العاصمة، وتفعيل دور المراكز الثقافية والبلديات والمدارس ومؤسسات المجتمع المدني، بحيث لا يبقى النشاط المسرحي محصوراً في الفعاليات الموسمية أو في مساحة جغرافية محدودة. كما تطرح الورقة المدرسة بوصفها مدخلاً مهماً لبناء جمهور جديد، من خلال المسرح والفنون والأنشطة الثقافية، مع الحاجة إلى الاستمرارية والمدربين المؤهلين.
وتناقش الورقة الخلاف الأوسع حول دور الدولة في دعم المسرح والدراما: هل يكون الدعم من خلال الإنتاج الرسمي المباشر، أم عبر منح وتمويل تنافسي، أم يترك القطاع بدرجة أكبر لقوى السوق؟
وترى أن التمويل العام لا يعني بالضرورة أن تتولى الدولة إنتاج الأعمال أو تحديد مضمونها، كما أن ترك القطاع للسوق وحدها قد يحرم الأعمال التاريخية أو الاجتماعية أو السياسية من التمويل عندما تكون عوائدها التجارية غير مضمونة.
ومن هنا تطرح الورقة الحاجة إلى نموذج يفصل بين الجهة التي توفر التمويل والجهة التي تختار الأعمال، عبر معايير معلنة ولجان مستقلة وآليات شفافة، مع حماية استقلالية الفنان والمنتج. وتعرض أربعة مسارات محتملة للتعامل مع الواقع القائم، تبدأ باستمرار نموذج المنح والمهرجانات، مروراً بتوسيع الإنتاج الرسمي، والاعتماد بصورة أكبر على السوق، وصولاً إلى تمكين القطاع الفني المستقل من خلال تمويل تنافسي وضمانات مؤسسية.
إعادة بناء دورة الإنتاج
وتخلص الورقة إلى أن استعادة حضور السياسة والقضايا الاجتماعية في المسرح والدراما لا تبدأ فقط من مطالبة الفنان بمزيد من الجرأة، وإنما من إعادة بناء دورة الإنتاج بأكملها.
وتقترح في هذا السياق تمويلاً أكثر استدامة وشفافية، وتطوير آليات مستقلة لتمويل المشاريع، وتفعيل دور التلفزيون الأردني في التكليف والإنتاج، وإقامة مواسم عرض منتظمة، وتطوير النصوص، وتعزيز التنظيم والتمثيل المهني، إلى جانب مراجعة البيئة القانونية ذات الصلة بحرية التعبير والعمل الفني.
كما تدعو إلى بناء قاعدة بيانات أكثر انتظاماً حول القطاع، بحيث يمكن قياس عدد الأعمال، وحجم الإنتاج، وأشكال الدعم، والوصول إلى الجمهور، بدلاً من الاعتماد على الانطباعات العامة وحدها.
وفي جوهرها، تضع الورقة المشكلة في منظومة الإنتاج كاملة، لا في النص وحده أو الفنان وحده؛ فحين لا يتوافر التمويل المستدام، ولا قنوات العرض والتوزيع، ولا الحماية القانونية، ولا السوق القادرة على تحمل المخاطر، يصبح إنتاج عمل سياسي أو اجتماعي متماسك أكثر صعوبة.
وبذلك، فإن السؤال الذي يطرحه معهد السياسة والمجتمع لا يتعلق فقط باختفاء السياسة من الخشبة والشاشة، بل بشروط عودة المسرح والدراما إلى مساحة النقاش العام، وقدرتهما على إنتاج حكايات أردنية معاصرة، وبناء جمهور يتابعها ويناقشها ويختلف معها.
