ليست المشكلة أن الشرق الأوسط أصبح ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية؛ فهذا أمر طبيعي في منطقة تقع عند تقاطع المصالح العالمية. المشكلة الحقيقية أن العرب، بما يمتلكونه من موقع وثروات وقدرات بشرية واقتصادية، لم ينجحوا حتى الآن في تحويل هذه الإمكانات إلى قوة سياسية جماعية قادرة على صناعة القرار وحماية المصالح العربية.
ومن هنا تبدو تحذيرات الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، في ثمانينيات القرن الماضي جديرة بإعادة القراءة. فالرجل الذي عايش تحولات الإقليم أدرك مبكراً أن الانقسام العربي لن يبقى خلافاً سياسياً بين العواصم، وإنما يمكن أن يتحول مع الزمن إلى ثغرة استراتيجية تستفيد منها القوى الطامحة إلى توسيع نفوذها.
عندما يتحول الانقسام إلى نفوذ خارجي
ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية يقدم درساً واضحاً: الفراغ السياسي لا يبقى فارغاً.
فكلما ضعفت مؤسسات الدولة، أو تفككت المجتمعات، أو طال أمد الصراعات الداخلية، اتسعت مساحة التدخل الخارجي.
وهكذا تمكنت إيران من بناء نفوذ واسع في عدد من الساحات العربية، وطورت تركيا حضوراً إقليمياً متزايداً، بينما عملت إسرائيل على توسيع علاقاتها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية داخل المنطقة.
وفي الوقت نفسه، بقي الشرق الأوسط ساحة تنافس للقوى الدولية الكبرى، من الولايات المتحدة وروسيا إلى الصين، نظراً لأهمية المنطقة في الطاقة والتجارة والممرات البحرية والأمن الدولي.
السؤال هنا ليس لماذا يتحرك الآخرون؟
السؤال الذي يجب أن نواجهه هو: لماذا لا يتحرك العرب بالفاعلية نفسها لحماية مصالحهم؟
لا يكفي أن نلوم الخارج
من السهل سياسياً إلقاء المسؤولية على التدخلات الخارجية، لكن ذلك لا يقدم تفسيراً كاملاً.
القوى الخارجية تستغل الفراغ، لكنها لا تصنع كل الفراغات.
الانقسامات الداخلية، والصراعات السياسية، والأزمات الاقتصادية، وضعف التكامل العربي، كلها عوامل ساهمت في تراجع القدرة الجماعية على التأثير.
ولهذا فإن استعادة القرار العربي تبدأ من الداخل: دولة وطنية قوية، مؤسسات راسخة، اقتصاد منتج، مجتمع متماسك، وقدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن الإملاءات.
الأمن القومي لم يعد حدوداً وجيوشاً
في القرن الحادي والعشرين، لم يعد الأمن القومي مفهوماً عسكرياً فقط.
الأمن القومي يعني الغذاء والماء والطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد والممرات البحرية.
الدولة التي تعتمد في احتياجاتها الاستراتيجية على الخارج تصبح أكثر تعرضاً للضغط، مهما كانت قوتها العسكرية.
ولهذا فإن بناء قوة عربية حقيقية يتطلب الانتقال من مفهوم التضامن السياسي إلى التكامل الاستراتيجي.
الأردن… دولة في قلب التحولات
وفي خضم هذه البيئة الإقليمية المعقدة، يحتل الأردن موقعاً بالغ الحساسية.
فاستقرار المملكة وتماسكها واستقلال قرارها الوطني ليست شأناً أردنياً داخلياً فحسب، بل جزء من معادلة الاستقرار الإقليمي.
ومن هنا تأتي أهمية حماية الدولة ومؤسساتها، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وترسيخ سيادة القانون، وحماية الحدود، والحفاظ على تماسك المجتمع.
ففي منطقة تتغير خرائط النفوذ فيها بسرعة، يصبح استقرار الدولة بحد ذاته قوة استراتيجية.
ماذا يريد العرب من المستقبل؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل مراكز القرار والنخب العربية.
هل نريد أن نبقى أسرى لإدارة الأزمات؟
أم نريد الانتقال إلى مرحلة صناعة الأزمات والحلول وفق مصالحنا؟
العرب لا يفتقرون إلى الإمكانات. لديهم الثروة، والموقع، والطاقة، والأسواق، والموارد البشرية، والموانئ، والمكانة الجيوسياسية.
لكن الإمكانات لا تصبح قوة إلا عندما تتحول إلى استراتيجية.
نحتاج إلى تكامل اقتصادي حقيقي، وأمن غذائي ومائي، واستثمار مشترك في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتنسيق سياسي وأمني أكثر فاعلية، ورؤية عربية واضحة للتعامل مع القوى الإقليمية والدولية.
لحظة الحقيقة
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تفقد نفوذها في لحظة واحدة.
يبدأ الأمر عندما تتراجع قدرتها على المبادرة، ثم عندما تصبح قراراتها رد فعل على قرارات الآخرين، ثم تتحول تدريجياً من لاعب إلى متلقٍ.
وهذا هو الخطر الذي يجب ألا يسمح العرب بتكراره.
فالشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، والنظام الدولي نفسه يعاد تشكيله، وموازين القوة تتغير، والتحالفات تتبدل.
وفي هذه اللحظة تحديداً، لا يجوز أن يكون العرب مجرد متفرجين على إعادة رسم منطقتهم.
آن الأوان للعودة إلى غرفة صناعة القرار.
ليس بالشعارات، وإنما بالقوة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والأمنية، وبإرادة عربية تعرف أين تقف، وماذا تريد، وكيف تحمي مصالحها.
فمن لا يصنع مستقبله بنفسه، سيجد أن الآخرين قد صنعوا له مستقبلاً وفق مصالحهم.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام التاريخ:
هل يستعيد العرب دورهم كصانع للقرار، أم يستمرون في دفع ثمن قرارات تُصنع خارج غرفهم؟
1
