في احتفال تكريم المبدعين اللبنانيين… المرتضى: كلّما حفظ اللبنانيون تنوّعهم في وحدة وأمسك بعضهم بيد بعض، أفشلوا مشروعًا لا يعيش إلا على التفرقة
في بعقلين، لم يكن الاحتفال بتكريم نخبة من المبدعين اللبنانيين مجرّد مناسبة لتوزيع شهادات التقدير، بل تحوّل إلى صرخة وطنية وثقافية في وجه الانقسام، وإلى استعادة لصورة لبنان الذي يصنعه أبناؤه بالكلمة واللون والصوت والفكر والإبداع.
ومن على منبر المكتبة الوطنية في بعقلين، جاءت كلمة الإعلامية غادة غانم المرتجلة أشبه برسالة وجدانية على لسان الوطن، حين قالت:
«حدثني عن أولئك الذين ليسوا أبنائي: أحرقوا أرضي، وأساؤوا إلى زرعي، ولوّثوا هوائي، وسمّموا مائي، وجعلوني أخجل من اسمي. في عقولهم عداوة، وفي قلوبهم غضب، وفي وجوههم حقد».
وتابعت، مستحضرةً صورة لبنان الذي يُساء إليه ثم يستعيد أبناءه الحقيقيين:
«ومن باب المهنية، استوقفتهم وسألتهم: ماذا تدّعون؟ ما برهانكم، وأنتم الذين مررتم في قصيدة فأحييتموها، وفي لوحة فأنطقتم ألوانها، وفي صوت فصار دمًا ولحنًا، وفي أدب فكان لكم فيه رفعة ومجد؟».
وفي سردها الذي اتخذ طابعًا أدبيًا، انتقلت غانم إلى سؤال الوطن عن أبنائه الذين يصنعون حضوره الحقيقي، قبل أن تأتي الإجابة:
«أجابني: نعم، أولئك هم أبنائي. أرهم فأُدرك فيهم الفارق».
ثم عدّدت صور الإبداع اللبناني:
«فنانون جعلوا الجمال لغةً ومدًى، ومبدعون أثروا الفكرة، وشعراء جعلوا الكلمة إيقاعًا، وموسيقيون جعلوا اللحن حياةً، ورسّامون جعلوا اللون ذاكرةً، ونحّاتون جعلوا من الصخر لغةً.
وباحثون وعلماء أضاءوا عتمة المجهول، ومفكرون وسياسيون حملوا اسمي إلى المحافل الدولية، وإعلاميون كانوا رُسُلًا للإنسانية، ورياضيون رفعوا رايتي في ساحات المنافسة.
نعم، أولئك هم أبنائي».
وختمت غانم رسالتها بعبارة تختصر فلسفة الاحتفال كله:
«أنا الوطن الصغير الكثير بأبنائه. ضيّقت الجمهورية مساحتي، فوسّع أبنائي حضوري. أن تحبّوني قرارًا لا شعارًا، وسلوكًا لا تظاهرًا».
وتوجّهت بالشكر إلى القائمين على الاحتفال والمكتبة الوطنية في بعقلين والجهات المنظمة، وإلى السيدة سمر عطايا مزهر، كما حيّت المكرّمين، وشكرت تلفزيون لبنان على مشاركته، متمنّيةً له دوام التطوّر والنجاح.

#image_title
وكان الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى قد رعى احتفالًا لتكريم مجموعة من المبدعين اللبنانيين في المكتبة الوطنية في بعقلين، بالتعاون بينها وبين متحف عزّت مزهر وجمعية الإنماء الاقتصادي في الجبل.
وحلّ المرتضى ضيف شرف على الاحتفال، وسلّم شهادات التكريم إلى الممثل المسرحي والمخرج فايق حميصي، والشاعر الزجلي جريس البستاني، والتربوية الكاتبة ربيعة ضو، والمفكر الدكتور ميشال كعدي، والفنان التشكيلي الدكتور حسن جوني، والإعلامية غادة غانم، والفنانة التشكيلية مجد رمضان، والسوبرانو ماريا مطر، فيما جرى زرع أرزة باسم كل واحد من المكرّمين في محمية أرز الباروك، تخليدًا لإنجازاتهم وتثمينًا لأدوارهم الثقافية والوطنية.
وبعد طلبه من الحضور الوقوف دقيقة صمت عن روح الراحل الكبير، ابن بعقلين، الأديب شوقي حمادة، أثنى المرتضى على «الدور الثقافي المتميّز الذي تؤدّيه المكتبة الوطنية في بعقلين، بجهود من مديرها الأستاذ غازي صعب، وعلى جهود السيدة سمر عطايا مزهر المشرفة على متحف عزّت مزهر، وجهود جمعية الإنماء الاقتصادي في الجبل».
وشدّد على أهمية الثقافة في حماية الهوية الوطنية، معتبرًا أن لبنان لا يمكن أن يواجه أزماته بالانقسام، بل بإحياء روح الوحدة في نفوس أبنائه، بما يقيهم رياح الفتنة.
وفي هذا السياق، نوّه المرتضى «بما يبذله وليد بيك جنبلاط على هذا المستوى، سواء في خطابه أو في أدائه السياسي»، معتبرًا أن الجهود الرامية إلى جمع اللبنانيين وتعزيز وحدتهم تمثّل ضرورة وطنية في هذه المرحلة.
واستعرض المرتضى إنجازات المكرّمين، مبتدئًا بالشاعر الكبير جريس البستاني، فقال مخاطبًا إيّاه:
«بتكريمك يُكرَّم شاعر جعل من الزجل اللبناني صوتًا للناس، وحافظ في كلمته على نبض الأرض، ودفء الذاكرة، وجمال العاميّة. فكان للزجل معه أكثر من شعر؛ كان تراثًا حيًّا، وهويةً تُصان، وفرحًا لبنانيًّا يُورَّث من جيل إلى جيل. فمباركٌ لك هذا التكريم».
وللدكتور حسن جوني قال:
«يكرّمون فيك فنانًا جعل من اللون والخط والضوء لغةً للجمال والإنسان، وترك في الفن التشكيلي اللبناني أثرًا يختزن فرادة تجربته وعمقها. ويكرّمون فيك أيضًا الأكاديمي الذي لم يكتفِ بإبداع الفن، بل حمل رسالته إلى أجيال من المبدعين، جامعًا بين موهبة الفنان وأمانة المعلّم. فمباركٌ لك هذا التكريم».
أما الدكتور ميشال كعدي، فقال فيه:
«أراهم يكرّمون فيك المسيحي حتى النخاع، الذي اتّسع إيمانه للمحبة كما اتّسع للمعرفة، ورهن عمره للكلمة التي تُظهر عظمة محمد وعلي، إيمانًا بأن الحقيقة لا تُحاصر في طائفة، ولا يُختزل المجد في دين. فكان أدبك جسرًا بين القلوب، وشهادةً على أن المحبة الصادقة تستطيع أن ترى في محمد وعلي عظمةً تحبّها وتكتب عنها، وأن تجعل من الاختلاف سبيلًا إلى التعارف والتلاقي. فمباركٌ لك هذا التكريم».
وقال للأستاذ فايق حميصي:
«وأمّا أنتم، يا ابن طرابلس الحبيبة، المبدع الكبير فايق حميصي، فأراهم يكرّمونك رائدًا جعل من الصمت لغةً، ومن الجسد كلامًا، ومن الإيماءة مسرحًا نابضًا بالحياة، فكرّست تجربتك لفن الإيماء في لبنان والعالم العربي، ممثّلًا ومخرجًا ومعلّمًا، وحملت هذا الفن إلى أجيال من المسرحيين، حتى غدا اسمك شاهدًا على مسيرة أسهمت في ترسيخ الإيماء فنًّا قائمًا بذاته. فمباركٌ لك هذا التكريم».
وتوجّه إلى الأستاذة ربيعة ضو قائلًا:
«فإنهم يكرّمون فيها مربّيةً جعلت من التعليم رسالةً، ومن الثقافة سبيلًا إلى بناء الإنسان وتعزيز انتمائه، فكان عطاؤها أبعد من حدود المدرسة. ونحيّي فيها الكاتبة التي آمنت بأن الكلمة تربي كما يربّي المعلّم، وأن صناعة الإنسان هي أسمى وجوه صناعة الوطن. ومباركٌ لها بدورها هذا التكريم».
وقال للسوبرانو ماريا مطر:
«يكرّمون فيك صوتًا لبنانيًّا اختزن جمال الغناء ورقيّ الموسيقى، وحمل إلى المنابر ألق السوبرانو وروح الفنانة المبدعة. فغدت الموسيقى في أدائك أكثر من نغم؛ صارت لغةً للجمال، ورسالةً تحفظ للبنان مكانه في فضاء الفن الرفيع. ومباركٌ لك هذا التكريم».
أما غادة غانم، فقال فيها:
«هي التي أبدعت في المضمار الإعلامي، وأراهم يكرّمون فيها تلفزيون لبنان الذي تنتمي إليه، وهو المؤسسة الوطنية التي نتوق جميعًا إلى أن يستعيد دوره الجامع، وسيلةً تبثّ فينا الوعي وروح الوحدة، على خلاف وسائل أخرى للإعلام ما برحت تبثّ الشقاق والفتن، وتخدم العدو من خلال تأليب أبناء هذا الوطن بعضهم على بعض. فمباركٌ لها هذا التكريم».
وللفنانة التشكيلية ورئيسة جمعية Seniors and Art of Joy مجد رمضان، قال:
«ومسك الختام مجد رمضان، التي يكرّمون فيها فنانةً ومبدعةً اجتماعية. فهي لم تجعل من الفن مساحةً للإبداع فحسب، بل جعلته طريقًا إلى الفرح واستعادة الشغف، فأسست جمعية Seniors and Art of Joy التي واكبناها عن كثب لتقول إن الموهبة لا عمر لها، وإن الإنسان لا يتقاعد عن الجمال.
وبين ريشة تكتشف موهبةً كامنة، ولوحة تعيد إلى أصحابها فرح الحياة، جعلت مجد من الفن فعل تمكين وإنسانية، ومن كبار السن طاقةً على الإبداع، لا ذاكرةً للماضي فحسب».
وانتقل المرتضى إلى الحديث عن بعقلين ومكتبتها الوطنية، معتبرًا أن المكان نفسه يحمل رسالة تتجاوز الحجر إلى الذاكرة والمعرفة، وقال:
«لا تكتفي بعقلين بأن يحمل اسمها تاريخها، حجارةً ومواضع، وناسًا ذوي عقول، بل تعرف، قبل كل شيء، أن تمنح الزمن معنى الحلم، والمكان ذاكرة البنيان».
وتوقف عند المفارقة التاريخية التي تختزنها المكتبة الوطنية في بعقلين، مشيرًا إلى أنها كانت في الماضي سجنًا تحيط جدرانه بالإنسان وتفصله عن العالم، قبل أن تتحول هذه الجدران نفسها إلى رحاب للفكر والمعرفة.
وقال:
«السجن يقيّد الجسد، أمّا الكتاب فيحرّر العقل. السجن يختصر العالم في جدران، أمّا المكتبة فتضع العالم بأسره بين يدي قارئ».
ورأى أن هذه المفارقة تختصر فلسفة الأمم التي لا تمحو ماضيها، بل تعيد قراءته وتصنع منه ما يليق بمستقبلها.
كما أشاد بمتحف الفنان عزّت مزهر، معتبرًا أن حفظ الأعمال الفنية ليس حنينًا إلى الماضي، بل مسؤولية تجاه المستقبل، مثنيًا على جهود السيدة سمر عطايا مزهر في إبقاء إرث زوجها حيًّا في الذاكرة الثقافية.
وفي مقاربة أوسع، أكد المرتضى أن «خيط الذاكرة الذي يجمع مكتبة بعقلين إلى متحف عزّت مزهر وإلى جمعية الإنماء لا يصلح بدونه ثوبٌ لوطن»، مشددًا على أن الأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، بل بالذاكرة والثقافة والهوية.
وقال إن لبنان، الذي عرف الأزمات والحروب والهجرة والانقسامات، وفي ظل المرحلة الصعبة التي يمر بها، يحتاج إلى الثقافة «ضرورةً وطنية بامتياز»، لأن الثقافة توسّع مساحات اللقاء حين تضيق السياسة، وتعيد اللبنانيين إلى ما يجمعهم حين تفرّقهم الانتماءات.
وأضاف:
«حين تدلهمّ الحروب، تطلع المواهب أنوار سلام، وحين تهتز الثقة بالمستقبل، تذكّرنا عطايا المبدعين والمفكرين بأن هذا الوطن سيبقى قادرًا على أن ينتج فكرًا وفنًّا وجمالًا، ويظل أهلًا لأن يُدعى بلد الإشعاع والأبجدية».
وفي ختام كلمته، شدّد المرتضى على أن الثقافة قيم عليا، وفي مقدّمها الوفاء، معتبرًا أن الجبل موطن لهذه القيم، ومشيدًا بما وصفه بالمواقف الوحدوية لوليد بيك جنبلاط وجهوده في بثّ الوعي بين اللبنانيين.
وقال:
«فلبنان الذي تتعانق فيه طوائفه ومناطقه وأبناؤه، ويبقى فيه الواحد سندًا للواحد، هو لبنان الذي يخشاه عدوّه؛ لأنه النقيض الأخلاقي والإنساني لكيان لا يرى في الآخر إلا عدوًّا، ولا يعرف منطقًا إلا الإقصاء والعدوان».
وختم بالقول:
«كلّما حفظ اللبنانيون تنوّعهم في وحدة، وأمسك بعضهم بيد بعض، أفشلوا مشروعًا لا يعيش إلا على التفرقة، ولا يستقوي إلا بانقسامنا».
وختم المرتضى متوجّهًا إلى الحضور:
«على أمل فرج وخلاص لوطننا الحبيب، بوركتم جميعًا، مكرّمين ومكرَّمين».
