صدرت الإرادة الملكية السامية قبل أيام بفض الدورة الاستثنائية الأولى لمجلس الأمة العشرين، وهي أول دورة استثنائية يعقدها منذ انتخاب مجلس النواب الحالي عام 2024، وذلك مع اقترابه من دخول السنة الثالثة من عمره الدستوري. وما يميز هذه الدورة عن الدورات الاستثنائية لمجالس نيابية سابقة أن مجلس الأمة تمكن من إنجاز مشاريع القوانين الستة التي تضمنتها الإرادة الملكية السامية بدعوته إلى الاجتماع. وهي حصيلة تستحق التوقف عندها، ليس من حيث عدد التشريعات التي أقرها المجلس فحسب، وإنما بالنظر إلى طبيعتها وأهميتها، وما أظهرته الدورة من ممارسات برلمانية تستحق التقييم.
فكما هو معلوم دستوريا، يختلف نطاق عمل مجلس الأمة في الدورة الاستثنائية عنه في الدورات العادية، إذ تقضي المادة (82) من الدستور بأن يقتصر اجتماع المجلس في الدورة الاستثنائية على الأمور المعينة في الإرادة الملكية التي صدرت الدعوة بمقتضاها. وعليه، فإن إنجاز جميع مشاريع القوانين المدرجة على جدول أعمال الدورة يشكل استكمالا للغاية الدستورية التي انعقدت من أجلها.
وتزداد أهمية هذا الإنجاز بالنظر إلى أن معظم هذه المشاريع ارتبطت باستحقاقات تشريعية وإدارية قائمة. فقانون الإدارة المحلية الجديد جاء استجابة للحاجة إلى إيجاد إطار تشريعي لإجراء الانتخابات البلدية ومجالس المحافظات بعد تغييبها لفترة من الزمن، في حين ارتبط تعديل قانون الجامعات الأردنية وإصدار قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة بضرورة مواءمة تشريعات قطاع التعليم العالي مع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية الجديد.
أما قانون إلغاء قانون المؤسسة الاستهلاكية المدنية، فقد جاء استحقاقا تشريعيا لتنفيذ قرار توحيد المؤسسة ودمجها بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية، ومعالجة ما يترتب على ذلك من آثار قانونية ووظيفية، في حين استكمل القانون المعدل لقانون الملكية العقارية مسارا تشريعيا سابقا لمعالجة عدد من المسائل المرتبطة بالاستملاك وتسهيل إجراءات إزالة الشيوع.
ومن الزاوية الدستورية، فإن إنجاز جدول الأعمال كاملا يعكس مستوى من التعاون بين الحكومة ومجلسي الأمة في التعامل مع الاستحقاقات التشريعية المطلوبة، وذلك رغم ما شهدته الجلسات من خلافات نيابية وحالات عدم الرضا عن بعض مشاريع القوانين. فالتعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لا يقاس بتطابق مواقفهما، وإنما بقدرتهما على ممارسة اختصاصاتهما الدستورية والوصول بالمسار التشريعي إلى غايته ضمن الأطر المقررة في الدستور.
وقد اتسمت الدورة الاستثنائية بكثافة العمل التشريعي الذي سار وفق الأصول الدستورية، وظهر لافتا الدور الذي مارسه مجلس الأعيان في مراجعة مشاريع القوانين، والذي تجلى بصورة واضحة في مخالفته مجلس النواب في عدد من مواد مشروع قانون تنظيم العمل المهني، وإعادته إليه بصيغته المعدلة، قبل أن يستكمل المشروع إجراءاته الدستورية.
كما ظهر دور مجلس الأعيان من خلال إرفاق قراراته بالموافقة على بعض مشاريع القوانين بمجموعة من التوصيات الموجهة إلى الحكومة بشأن مسائل رأى أعضاؤه أهمية أخذها بعين الاعتبار. وعلى الرغم من أن هذه التوصيات لا تتمتع بصفة إلزامية ولا تعد جزءا من النص التشريعي، فإنها تمثل أداة برلمانية توجيهية تتيح لمجلس الأعيان تسجيل ملاحظاته على مسائل مرتبطة بالتشريعات المعروضة عليه، وتكون لها قيمة سياسية أكثر منها قانونية.
وفي المقابل، سلطت الدورة الاستثنائية الضوء على مسألة إجرائية بحاجة إلى مزيد من التنظيم في أعمال مجلس النواب، تتمثل في إعادة فتح مواد سبق للمجلس مناقشتها والتصويت عليها. فعلى الرغم من أن النظام الداخلي يجيز إعادة مناقشة مادة أو أكثر قبل أخذ الرأي على مشروع القانون بمجموعه، فإن تكرار اللجوء إلى هذه الآلية دون أسس ومعايير واضحة أثار إشكاليات تشريعية وصلت إلى حد تغيير نتيجة التصويت على المادة، مما يستدعي وضع ضوابط أكثر وضوحا لممارستها، بما يحقق التوازن بين حق المجلس في مراجعة قراراته واستقرار عملية التصويت التشريعي.
خلاصة القول، إن أهمية هذه الدورة الاستثنائية لا تكمن فقط فيما أنجزته من تشريعات، وإنما فيما قدمته من صورة عملية عن ممارسة مجلس الأمة لاختصاصه التشريعي ضمن الإطار الدستوري المحدد للدورات الاستثنائية، وخلال فترة زمنية قصيرة نسبيا. ويبقى نجاح أي دورة برلمانية مرهونا بقدرتها على تحقيق التوازن بين سرعة الإنجاز وجودة التشريع، وبين مرونة الإجراءات واستقرارها، بما يعزز الثقة بالعملية التشريعية ومخرجاتها.
