في احتفالٍ جمع الثقافة والفن والإعلام والتربية والفكر، كرّمت المكتبة الوطنية في بعقلين، بالتعاون مع متحف عزّت مزهر وجمعية الإنماء الاقتصادي في الجبل، مجموعة من المبدعين اللبنانيين، برعاية الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى وحضوره ضيف شرف، في مناسبة حملت رسائل واضحة حول دور الثقافة في حفظ الهوية وتعزيز الوحدة الوطنية.
وكانت للإعلامية غادة غانم كلمة مرتجلة مؤثرة عقب تكريمها، استحضرت فيها الوطن بوصفه كيانًا يتألم من أبنائه حين ينقسمون، ويستعيد عافيته حين يحتضن مبدعيه.
وقالت، في صياغة أدبية: «وعبثًا وتعبًا، أولئك ليسوا أبنائي. أحرقوا أرضي، وأسَالوا دمعي، ولوّثوا هوائي، وسمّموا مائي، وجعلوني أخجل من اسمي. في عقولهم عداوة، وفي قلوبهم غضب، وفي وجوههم حقد.
ومن باب المهنية، استوقفتهم وسألتهم: ماذا تدّعون؟
ما برحك؟ وأنت الذي مررتَ في قصيدة، وأُسهِلتَ وما صُدِر في لوحة وتلالها، وما تغنّى بك صوتٌ فصار دمًا ولحنًا، وما كُتب في أدب وكان لك رفعة؟ فردّ مستطربًا بألم: أحببتهم وطنًا، فبادرني بعضهم سجنًا وشجنًا.
في الهوية وطنه، وفي الممارسة مكانه، وكأن صدري يتّسع لما لا تتّسع له ضمانية.
استوقفته أيضًا، وأعلنت له: هناك ما يطفئ نورك. ننظر إلى ما يحلّ بنورك في العالم.









باحترام وفخر أجابني: نعم، أولئك هم أبنائي. أرهم، فأدبّر فيهم؛ ففنّيون جعلوا الجمال لغةً ومدًى، ومفكرون وشعراء جعلوا الكلمة إيقاعًا، ورسّامون جعلوا اللون ذاكرةً، ونحاتون صاغوا الحجر، وباحثون وعلماء أضاءوا عتمة المجهول، ومفكرون وسياسيون حملوا اسمي إلى المحافل الدولية، وإعلاميون كانوا رسلًا للإنسانية، ورياضيون رفعوا رايتي في ساحات المنافسة.
نعم، أولئك هم أبنائي. أنا الوطن الصغير الكثير بأبنائي. ضيّقت الجمهورية مساحتي، فوسّع أبنائي حضوري.
أن تحبّوني قرارًا لا شعارًا، وسلوكًا لا تظاهرًا».
وفي ختام كلمتها، وجّهت غانم الشكر إلى القائمين على الاحتفال والجمعية والمنظمين، وإلى المكرّمين والوزير المرتضى، كما حيّت تلفزيون لبنان، الذي تنتمي إليه، بوصفه مؤسسة وطنية تتطلع إلى استعادة دوره الجامع في تعزيز الوعي وروح الوحدة.
وكان المرتضى قد رعى الاحتفال الذي جرى خلاله تكريم الممثل المسرحي والمخرج فايق حميصي، والشاعر الزجلي جريس البستاني، والتربوية والكاتبة ربيعة ضو، والمفكر الدكتور ميشال كعدي، والفنان التشكيلي الدكتور حسن جوني، والإعلامية غادة غانم، والفنانة التشكيلية مجد رمضان. كما جرى زرع أرزة باسم كل مكرَّم في محمية أرز الباروك، تخليدًا لإنجازاتهم وتقديرًا لأدوارهم الثقافية والوطنية.
واستهل المرتضى المناسبة بطلب الوقوف دقيقة صمت عن روح الأديب الراحل، ابن بعقلين، شوقي حمادة، ثم نوّه بالدور الثقافي الذي تؤديه المكتبة الوطنية في بعقلين بجهود مديرها الأستاذ غازي صعب، وبجهود السيدة سمر عطايا مزهر المشرفة على متحف عزّت مزهر، إلى جانب جهود جمعية الإنماء الاقتصادي في الجبل.
وشدّد على أهمية إحياء روح الوحدة في نفوس اللبنانيين، بما يحصّنهم في مواجهة الفتنة والانقسام، منوّهًا بما يبذله وليد بيك جنبلاط على هذا المستوى، سواء في خطابه أو في أدائه السياسي.
وتوقف المرتضى عند إنجازات المكرّمين، فاعتبر أن جريس البستاني جعل من الزجل اللبناني صوتًا للناس، وحافظ من خلال كلمته على نبض الأرض ودفء الذاكرة وجمال العامية، حتى غدا الزجل في تجربته تراثًا حيًا وهويةً تُصان وفرحًا لبنانيًا يتوارثه جيل عن جيل.
أما الدكتور حسن جوني، فرأى فيه فنانًا جعل من اللون والخط والضوء لغة للجمال والإنسان، وترك في الفن التشكيلي اللبناني أثرًا يعكس فرادة تجربته وعمقها، إلى جانب دوره الأكاديمي في نقل رسالة الفن إلى أجيال من المبدعين، جامعًا بين موهبة الفنان وأمانة المعلّم.
وفي الدكتور ميشال كعدي، رأى المرتضى نموذجًا للمثقف الذي اتسع إيمانه للمحبة والمعرفة، وجعل من الكلمة جسرًا بين القلوب، مؤكدًا أن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى سبيل للتعارف والتلاقي، وأن المحبة الصادقة قادرة على تجاوز الحواجز الطائفية والدينية.
كما أشاد بفايق حميصي، ابن طرابلس، بوصفه رائدًا لفن الإيماء، جعل من الصمت لغة، ومن الجسد كلامًا، ومن الإيماءة مسرحًا نابضًا بالحياة، وكرّس تجربته لهذا الفن في لبنان والعالم العربي ممثلًا ومخرجًا ومعلّمًا.
وتوقف عند تجربة التربوية والكاتبة ربيعة ضو، معتبرًا أنها جعلت من التعليم رسالة ومن الثقافة وسيلة لبناء الإنسان وتعزيز انتمائه، مؤكّدًا أن صناعة الإنسان هي أسمى وجوه صناعة الوطن.
كما كرّم السوبرانو ماريا مطر، مشيدًا بصوتها اللبناني الذي حمل جمال الغناء ورقي الموسيقى إلى المنابر، وجعل من الموسيقى في أدائها لغة للجمال ورسالة تحفظ للبنان مكانته في فضاء الفن الرفيع.
وفي حديثه عن الإعلامية غادة غانم، اعتبر المرتضى أن تكريمها يحمل أيضًا تكريمًا لتلفزيون لبنان الذي تنتمي إليه، متمنيًا لهذه المؤسسة الوطنية أن تستعيد دورها الجامع، وأن تكون وسيلة لبث الوعي وروح الوحدة، في مواجهة خطاب إعلامي يساهم أحيانًا في تعميق الانقسام وتأجيج الفتن.
أما الفنانة التشكيلية مجد رمضان، ورئيسة جمعية Seniors and Art of Joy، فاعتبرها المرتضى نموذجًا للفنانة التي جعلت من الفن مساحة للإبداع وطريقًا إلى الفرح واستعادة الشغف، وأثبتت من خلال تجربتها أن الموهبة لا عمر لها، وأن الإنسان لا يتقاعد عن الجمال.
وأشار إلى أن مبادرة زرع أرزة باسم المكرّمين في محمية أرز الباروك تضيف إلى التكريم بعدًا رمزيًا، إذ تلتقي فيها الثقافة بالفكرة الوطنية، ويصبح الإبداع جزءًا من ذاكرة المكان.
وانتقل المرتضى إلى الحديث عن بعقلين، معتبرًا أنها لا تكتفي بحمل تاريخها في حجارتها ومواضعها وأبنائها، بل تعرف كيف تمنح الزمن معنى الحلم والمكان ذاكرة البنيان.
وتوقف خصوصًا عند المكتبة الوطنية في بعقلين، التي كانت في الماضي سجنًا تحيط جدرانه بالإنسان وتفصله عن العالم، قبل أن تتحول هذه الجدران نفسها إلى رحاب للفكر والمعرفة.
وقال إن هذه المفارقة تختصر تحوّلًا عميقًا في معنى المكان: «السجن يقيّد الجسد، أما الكتاب فيحرّر العقل. السجن يختصر العالم في جدران، أما المكتبة فتضع العالم بأسره بين يدي قارئ». ورأى في هذا التحول رسالة مفادها أن الأمم لا تتقدم بمحو ماضيها، بل بإعادة قراءته وصياغته بما يليق بمستقبلها.
ومن المكتبة، انتقل إلى متحف الفنان عزّت مزهر، معتبرًا أنه يمثل ذاكرة الريشة والإزميل، حيث لا تُحفظ الأعمال الفنية باعتبارها أشياء من الماضي، بل بوصفها أعمالًا قادرة على مخاطبة أجيال لم تعاصر أصحابها.
وأشاد بدور السيدة سمر عطايا مزهر في الحفاظ على تراث زوجها وإبقائه حاضرًا في الذاكرة الثقافية، معتبرًا أن حفظ إرث المبدع لا يعني الحفاظ على أعماله فحسب، بل أيضًا على شيء من روح المرحلة التي عاش فيها، وأفكاره ومشاعره والجمال الذي أراد أن يتركه للأجيال.
وأكد أن الرابط بين مكتبة بعقلين ومتحف عزّت مزهر وجمعية الإنماء الاقتصادي في الجبل هو في جوهره خيط من خيوط الذاكرة الوطنية، معتبرًا أن الأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، ولا تقاس قوتها بما تشيده من طرق ومبانٍ ومؤسسات، بل تحتاج أيضًا إلى ذاكرة تحفظ تراثها وثقافة تمنح شعبها هويته.
وشدد على أن الثقافة، في لبنان الذي عانى الأزمات والحروب والهجرة والانقسامات، أصبحت ضرورة وطنية بامتياز، لأنها تفتح مساحات اللقاء عندما تضيق السياسة، وتعيد الناس إلى ما يجمعهم عندما تفرّقهم الانتماءات، وتمنحهم في أوقات الحرب والأزمات فسحة من الأمل والجمال.
ورأى أن الثقافة تحمل في جوهرها قيمًا عليا، وفي مقدمها الوفاء، معتبرًا أن الجبل موطن لهذه القيم، وأنها راسخة فيه رسوخ الأرز في الباروك.
وفي هذا السياق، جدّد المرتضى تقديره لوليد بيك جنبلاط، مشيدًا بمواقفه الوحدوية وجهوده في بث الوعي بين اللبنانيين، والتحذير من مخاطر الفتنة والانقسام، ومن محاولات تحويل تنوع لبنان من نعمة إلى مصدر للصراع.
وقال إن لبنان الذي تتعانق فيه طوائفه ومناطقه وأبناؤه، ويبقى فيه الواحد سندًا للواحد، هو لبنان الذي يخشاه العدو، لأنه يمثل النقيض الأخلاقي والإنساني لكيان لا يرى في الآخر إلا عدوًا، ولا يعرف منطقًا إلا الإقصاء والعدوان.
وختم المرتضى بالتأكيد أن الحفاظ على التنوع ضمن الوحدة هو السبيل إلى حماية لبنان، مستعيدًا مقولة وليد جنبلاط: «كلّما حفظ اللبنانيون تنوّعهم في وحدة، وأمسك بعضهم بيد بعض، أفشلوا مشروعًا لا يعيش إلا على التفرقة، ولا يستقوي إلا بانقسامنا».
وختم قائلًا: «على أمل فرج وخلاص لوطننا الحبيب، بوركتم جميعًا، مكرّمين ومكرَّمين».
إذا أردت، أستطيع أيضًا تحويله إلى صيغة خبر صحفي أقصر وأقوى للنشر في وكالة وطنية أو موقع إخباري، مع عنوان رئيسي وعنوان فرعي ومقدمة صحفية أكثر احترافية.
