الإعلامية القديرة المقدرة، غادة غانم، هي ليست من أولئك الذين يمرّون على المنابر مرورًا عابرًا؛ حين تحضر، يحضر معها المعنى، وحين تتكلم، تصبح للكلمة هيبةٌ وأثر. وفي احتفال تكريم المبدعين في بعقلين، لم تكن كلمتها مجرد كلمة مكرَّمة، بل كانت واحدة من أكثر لحظات الاحتفال حضورًا وتأثيرًا؛ كلمة خرجت من قلب امرأة تعرف قيمة الوطن، وتعرف كيف تحوّل الوجع إلى لغة، والانتماء إلى موقف، والإبداع إلى قضية وطنية.
لقد استحقت غادة أن يُكتب عنها، لا مجاملةً ولا لأن اسمها كان بين المكرَّمين، بل إنصافًا لحضورها المميز ولقدرتها النادرة على الإمساك باللحظة وتحويلها إلى مشهد يبقى في الذاكرة.
فقد كانت كلمتها قوية، مؤثرة، درامية، ومشحونة بالمفارقة. جعلت الوطن شخصيةً تتكلم وتتألم وتسأل عن أبنائها، ثم أعادت تعريف الانتماء بجرأة: ليس كل من يحمل اسم الوطن جديرًا بأن يُنسب إليه، فالوطن يُقاس بما يقدمه أبناؤه، لا بما يدّعونه.
ومن هنا جاءت عبارتها: «أولئك ليسوا أبنائي».
ثم، في لحظة الانقلاب الأجمل: «نعم، أولئك هم أبنائي».
بين الجملتين أعادت غادة رسم معنى الوطن؛ فهؤلاء الذين يصنعون الفن والفكر والعلم والإبداع هم أبناء لبنان الذين يوسّعون حضوره حين تضيق جغرافيته.
الفنان يجعل الجمال لغة، والشاعر والمفكر يجعلان الكلمة إيقاعًا، والرسام يجعل اللون ذاكرة، والنحات يصوغ الحجر، والعالم يضيء المجهول، والإعلامي يخدم الوعي والإنسانية، والرياضي يرفع راية الوطن.
هكذا كانت غادة: لا تكرّم المبدع فحسب، بل تمنحه موقعه الحقيقي في بناء الوطن.
وعندما قالت: «أن تحبّوني قرارًا لا شعارًا، وسلوكًا لا تظاهرًا»، كانت في ذلك، تضع فاصلة حاسمة بين الوطنية التي تُقال والوطنية التي تُمارس.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة كلمتها وقيمة حضورها. فقد دخلت إلى المنبر إعلاميةً مكرَّمة، وخرجت منه صوتًا للوطن، ولسانًا للمبدعين، وصاحبة موقف لا يمرّ مرورًا عابرًا.
غادة غانم تستحق الإشادة، لأن حضورها كان بحجم الكلمة، وكلمتها كانت أكبر من المناسبة.
