17 يوما لاستعادة وطن يسكن القلب…. سألتها ماذا غيرت فيك الغربة…ردت ربما أشياء كثيرة إلا مصر
بقلم: د. عبير العربي –
هناك أوطان نغادرها بأقدامنا، لكننا نعجز عن مغادرتها بقلوبنا. نعبر البحار، نركب الطائرات، نعيش في مدن بعيدة، نحمل جنسيات أخرى، ونبني بيوتًا جديدة، وقد تمضي سنوات طويلة دون أن تطأ أقدامنا شوارع الوطن الأول… ومع ذلك يظل هناك شيء في أعماقنا لا يغادر مكانه.
رائحة البيت القديم، صوت الأم، ضحكة الأب، شوارع الطفولة، لمة العائلة، وذاك الإحساس الغامض الذي لا تستطيع الكلمات أن تشرحه: إحساس أن لك وطنًا يسكنك، حتى وإن سكنت أنت بعيدًا عنه.
الوطن ليس مجرد بطاقة هوية، ولا جواز سفر، ولا عنوانًا مكتوبًا على ورقة، الوطن هو ذلك المكان الذي إذا اشتد بك الحنين إليه، لا تسأل كم ستكلفك العودة، وإنما تسأل: متى أستطيع أن أعود؟

#image_title
ومن هنا تبدأ حكاية سارة.
سارة ابنة خالتي، التي غادرت مصر منذ عشرات السنوات إلى أمريكا. هناك تزوجت، وعملت، وحصلت على الجنسية الأمريكية، وأنجبت، وبنت بيتًا وأسرة وحياة كاملة، حتى والدها ووالدتها وإخوتها عاشوا هناك، وأصبح لأغلب أفراد الأسرة حياة مستقرة في أمريكا.
كان يمكن لأي شخص أن ينظر إلى حياتها ويقول: ماذا بقي لها في مصر؟
لكنني كنت أعرف أن هناك شيئًا لم تستطع الغربة أن تنتزعه منها.
وذات مرة سألتها:
“يا سارة، ناس كتير ممكن تسألك: إيه اللي بيجيبك مصر؟ أمك وأبيك وإخواتك، وزوجك وأولادك وأسرتك وشغلك وحياتك كلها في أمريكا… إذن ما الذي يأتي بك إلى مصر؟”
ضحكت، ثم قالت جملة لم أنسها:
“حين يعثر قلبي الحنين، وأشعر أنني غير قادرة بقوم ألم شنطى وأولادى وأمي أنزل مصر.”
ثم أضافت أن السفر لم يعد سهلًا كما كان، وأن تذاكر الطيران أصبحت مكلفة، وأن الحياة في مصر نفسها تغيرت وارتفعت تكلفتها، لكنها قالت:
“لما الحنين يغلف روحي ويعصر قلبي، لا أعرف سوى أنى آخد أول طيارة متجهة على مصر.”
هذه هي سارة. علي ال
امرأة صنعت حياة كاملة في أمريكا، لكن قلبها ظل يعرف الطريق إلى مصر.
وذات يوم، فقدت سارة بطاقتها الشخصية المصرية.
بالنسبة لأي شخص قد تكون مجرد بطاقة ضاعت وتحتاج إلى بدل فاقد.
أما سارة، فقد شعرت أنها فقدت شيئًا من روحها.
شعرت أنها فقدت قطعة هامة من هويتها، شيئًا يثبت لها وللعالم أنها، مهما ابتعدت، ما زالت مصرية.
فبدأت رحلة استعادة البطاقة.
ذهبت إلى الأحوال المدنية في العباسية، وهناك بدأت تفاصيل لم تكن تتوقع أنها ستأخذ كل هذا الوقت والجهد. موظف يطلب منها قسيمة الزواج من السفارة، فتشرح أنها لم تتزوج عن طريق السفارة المصرية، وإنما تزوجت في المحكمة الأمريكية، ثم لجأت إلى المجمع الإسلامي، حيث أتمت إجراءات الزواج الديني مع شيخ مصري مسلم.
ثم طُلب منها ضامن، ومحضر فقد، وقسيمة الزواج، ومستندات أخرى اضطرت إلى التواصل مع أخيها في أمريكا لإنهائها وإرسالها.
وظلت سارة تذهب وتعود بين الإسماعيلية والقاهرة يومًا بعد يوم.
سبعة عشر يومًا.
سبعة عشر يومًا من الانتظار، والذهاب والعودة، والأوراق والإجراءات، فقط من أجل أن تستعيد بطاقة مصرية.
وفي أحد الأيام، خرجت سارة وهي تبكي من شدة اليأس والتعب، فقابلها ضابط كان قد لاحظ ترددها على المكان أكثر من مرة.
قال لها:
“أنا بشوفك هنا كتير… إيه الحكاية؟”
حكت له.
سألها:
“إنتِ عايشة في أمريكا؟”
قالت: “أيوه.”
“ومعاكي الجنسية الأمريكية؟”
قالت: “أيوه.”
فنظر إليها متعجبًا وقال:
“وتقضي كل هذا الوقت في مصر علشان تعملي البطاقة المصرية؟”
فقالت له:
“أنا مش همشي من مصر، ومش هسافر أمريكا، قبل ما أعمل بطاقتي المصرية.”
نظر إليها وسأل:
“إنتِ متأكدة إن كل بياناتك صحيحة؟”
فأجابته دون تردد:
“أقسم بالله العظيم إن كل بياناتي صحيحة.”
تمت مراجعة الأوراق، وأُشر عليها، وأصبحت سارة أخيرًا أمام اللحظة التي انتظرتها كل هذه الأيام.
لحظة التصوير.
جلست أمام الكاميرا، لكنها لم تستطع أن تمنع دموعها.
بكت بشدة، حتى إنهم لم يستطيعوا تصويرها بسهولة.
لم تكن تبكي من أجل صورة شخصية.
كانت تبكي لأنها لم تكن تصدق أن اللحظة وصلت.
بعد سبعة عشر يومًا من الانتظار، ستعود أخيرًا إلى بيتها وهي تحمل بطاقتها المصرية.
وحين تسلمتها…
زغردت.
زغردت سارة في العباسية، داخل الأحوال المدنية، وكأنها طفلة استردت شيئًا عزيزا افتقدته طويلًا.
ثم بدأت توزع على الموجودين البونبون والبسكويت والحلوى.
كل من يقابلها ويسألها: “خير؟”
كانت تبتسم وتقول:
“خدت البطاقة المصرية!”
ربما لم يفهم بعضهم سبب كل هذا الفرح.
لكنني فهمته.
لأن سارة لم تكن تحتفل ببطاقة.
كانت تحتفل بمصر.
كانت تحتفل بهويتها، بذكرياتها، بطفولتها، ببيتها الأول، وبوطن ظل يعيش داخلها رغم كل هذه السنوات في الغربة.
أمريكا أعطت سارة الكثير، أعطتها حياة، وأسرة، وعملًا، واستقرارًا، وجنسية جديدة.
لكنها لم تستطع أن تأخذ منها مصر.
وهنا تكمن الحكاية.
فالوطن الحقيقي لا تحدده المسافة، ولا عدد سنوات الغياب، ولا جواز السفر الذي تحمله في يدك.
قد يعيش الإنسان في بلد آخر، ويتحدث لغة أخرى، ويحصل على جنسية أخرى، ويصنع نجاحه كله بعيدًا عن أرضه الأولى، لكنه حين يشتد به الحنين، يعرف جيدًا إلى أين يعود.
سارة لم تكن تبحث عن إثبات أنها مصرية.
هي كانت تعرف ذلك جيدًا.
كانت فقط تريد أن تمسك بهذا الإثبات بيديها.
وربما لهذا بكت أمام الكاميرا.
وربما لهذا زغردت في العباسية.
وربما لهذا أعطت الحلوى لكل من قابلته في طريقها.
لأن بعض الأشياء لا تُقاس بقيمتها المادية.
هناك أشياء قيمتها في معناها.
والبطاقة التي كانت بالنسبة لغيرها مجرد قطعة بلاستيكية، كانت بالنسبة لسارة قطعة من وطن.
قد تمنحك بلاد العالم جنسيات، وبيوتًا، وأموالًا، وفرصًا، وحياة جديدة…
لكن هناك وطنًا واحدًا لا تمنحه لك الدولة.
وطن يمنحه لك القلب.
وهذا هو الوطن الذي لا تستطيع الغربة أن تأخذه.
سارة أخذت من أمريكا حياة كاملة…
لكنها لم تسمح لأمريكا أن تأخذ منها مصر.
