ثمة ما يستحق التوقف عنده في مقال نشرته صحيفة إسرائيل هيوم للباحثة الإسرائيلية أوشريت بيرفادكر، بعنوان «رد إسرائيل على الناتو الإسلامي»، ليس فقط بسبب المصطلح الذي اختارته لوصف اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وإنما أيضاً بسبب الخريطة الاستراتيجية المقابلة التي تقترحها لإسرائيل.
وبيرفادكر هي باحثة أولى في معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS)، ومتخصصة في السياسة الخارجية والدفاعية للهند والعلاقات الهندية – الإسرائيلية والهندية – الخليجية، وحصلت على الدكتوراه من جامعة بار إيلان بأطروحة تناولت العلاقات بين الهند والسعودية. لذلك ليس غريباً أن تقرأ الاتفاق من زاوية التنافس الهندي – الباكستاني.
من المبكر، بالطبع، الحديث عن «ناتو إسلامي». فالتحالف الجديد ما يزال في مرحلة البدايات والتشكل، ولم يختبر بعد في أزمة حقيقية، وهنالك قواسم مشتركة بين الدول الثلاث، وفي المقابل هنالك أيضاً اختلافات في المصالح والرؤى، لكن مع ذلك، فإن أهمية الاتفاق تكمن في ما يعكسه من تحول في الإدراك الاستراتيجي لدى قيادات هذه الدول، ووصولها إلى قناعة بوجود مصلحة مشتركة في بناء إطار استراتيجي إقليمي يتجاوز وظيفة الدفاع المشترك المعلنة إلى تعزيز مكانتها وقدرتها على المناورة.
بالنسبة إلى باكستان، يمثل الاتفاق فرصة لإعادة تعريف موقعها خارج جنوب آسيا، في ظل التنافس التاريخي مع الهند. فبينما طورت نيودلهي علاقات استراتيجية متقدمة مع إسرائيل، تجد إسلام آباد في السعودية وتركيا عمقاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً مهماً. أما تركيا، فالصيغة الجديدة تنسجم مع عودتها القوية إلى الشرق الأوسط، ومع ازدهار صناعاتها الدفاعية وحاجتها إلى أسواق وشراكات واستثمارات جديدة، فضلاً عن مصالحها التاريخية والجيوسياسية في المنطقة. في المقابل تبدو السعودية هي الطرف الأكثر أهمية في قراءة توقيت الاتفاق. فقد جاء في ظل حرب أميركية – إسرائيلية مع إيران لم تنته تداعياتها، وأثبتت للرياض أن إعلان الحياد لا يعني بالضرورة النجاة من نتائج الصراع ومخاطره، من هنا يمكن قراءة اتفاق مكة بوصفه رسالة في اتجاهين: إلى إيران بأن السعودية ليست مكشوفة استراتيجياً، وإلى إسرائيل بأنها لا تقبل أن تتحول المنطقة إلى ثنائية إسرائيلية – إيرانية تضطر الدول العربية معها إلى الاصطفاف خلف أحد الطرفين.
أما الدلالة الثانية للاتفاقية فتتمثل في طيّ صفحة «الصيغة الإبراهيمية»، كمشروع إقليمي دفعته نحوه إدارة ترامب وصهره جاريد كوشنير خلال الأعوام الماضية، ذلك لا يعني نهاية اتفاقيات أبراهام القائمة، وإنما تراجع المشروع الأكبر الذي سعى إلى ضم السعودية إليها، ثم تحويلها إلى أساس لهندسة أمنية إقليمية جديدة.
كانت السعودية ربطت التطبيع بالتزام إسرائيلي واضح بمسار نحو دولة فلسطينية، بينما يسير الاتجاه الإسرائيلي في المسار المعاكس؛ فلم تعد الدولة الفلسطينية موجودة عملياً في قاموس الائتلاف الحاكم، فيما تدور النقاشات بصورة متزايدة حول الضم والسيادة على الضفة الغربية. وإدارة ترامب بدورها تدرك أن هذا الملف يصطدم أيضاً بقاعدة مسيحية صهيونية مؤثرة داخل الحزب الجمهوري، تتخذ مواقف شديدة التشدد تجاه القدس والضفة الغربية.
أكثر ما يلفت الانتباه في مقال Israel Hayom فهو التحول في النظرة إلى تركيا، إذ تقترب الكاتبة من وضع أنقرة في مرتبة تهديد استراتيجي موازٍ لإيران، بينما كان نتنياهو نفسه قد تحدث قبل شهور عن «محور سني راديكالي» ناشئ، وبدأ التفكير علناً في شبكة تحالفات مقابلة. في السياق تبدو سوريا المساحة الأخطر لاختبار هذا التنافس؛ فتركيا تنظر إليها بوصفها جزءاً مركزياً من مجالها الأمني والاستراتيجي، بينما تريد إسرائيل الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية ومنع تشكل قوة مركزية قوية فيها. لذلك لا تبدو المواجهة حتمية، لكنها لم تعد احتمالاً بعيداً.
صحيح أنّ مصطلح «ناتو إسلامي» هو مصطلح إسرائيلي للتهويل وتضخيم هذه الاتفاقية، لكن ذلك لا ينفي أننا أمام مرحلة عنوانها تحالفات مرنة ومتقاطعة. وتحولات استراتيجية إقليمية مهمة، وحقبة جديدة تتشكل في تاريخ المنطقة.
