لبنان يقف اليوم فوق برميل بارود سياسي وأمني واقتصادي، فيما تتقاطع فوق أرضه حسابات إسرائيلية وأمريكية وإقليمية، وتتراجع قدرة الدولة على المناورة أمام استحقاق بالغ الخطورة: إما أن يستعيد لبنان أرضه وسيادته عبر دولة واحدة وسلاح واحد، أو أن يبقى رهينة معادلات السلاح والحروب والتسويات الخارجية.
وفي قراءة للمشهد، تضع الباحثة والأكاديمية والكاتبة د. زينة منصور اصبعها على الجرح اللبناني المفتوح: قضاء عاجز عن الوصول إلى المحاسبة في جريمة انفجار المرفأ، أموال مودعين ضائعة في أكبر انهيار مالي عرفه لبنان الحديث، طبقة سياسية تتقاذف المسؤوليات، وحدود جنوبية باتت محكومة بمعادلة أمنية جديدة عنوانها: نزع السلاح في مقابل فتح الطريق أمام الانسحاب الإسرائيلي والاستقرار.
وأكدت زينة منصور في مقابلتها مع رانيا زهرا شربل، على الفضائية السريانية ببرنامج “بكل حرية” أن الأخطر، وفق هذه القراءة، بأن لبنان لم يعد يملك ترف إضاعة الوقت. فالمشهد الإقليمي يتحرك بسرعة، والاتفاق الإطاري مع إسرائيل، والوساطة الأمريكية، والتطورات السورية، والدور التركي، والضغط على حزب الله، كلها عناصر تدفع البلاد نحو لحظة مفصلية قد تحدد شكل الدولة اللبنانية لسنوات طويلة.
«الأرض مقابل السلاح»… المعادلة التي تضع لبنان أمام الحائط
في صلب المشهد تبرز المعادلة الأكثر استفزازًا وحساسية: ماذا يريد لبنان؟ الأرض أم السلاح؟
منصور ترى أن استعادة الأرض وحماية السيادة لا يمكن فصلهما عن حصر السلاح بيد الدولة، وأن الاتفاق الإطاري الذي دخل على خط النزاع اللبناني ـ الإسرائيلي، رغم ملاحظاته ومخاطره، يمثل فرصة نادرة للخروج من دائرة الحرب المفتوحة.
لكن هذه الفرصة تحمل في داخلها لغمًا سياسيًا وسياديًا: فإذا كان الانسحاب الإسرائيلي مرتبطًا بنزع السلاح، فهل يستطيع لبنان تنفيذ هذه المعادلة من خلال مؤسساته، أم سيجد نفسه أمام ترتيبات تُفرض عليه من الخارج؟
إسرائيل، من جهتها، تريد ضمانات أمنية تمنع عودة الهجمات أو وجود قوات مسلحة قرب حدودها، بينما يريد لبنان إنهاء الاحتلال واستعادة سيادته على أراضيه.
وهكذا يصبح الجنوب أمام معادلة شديدة القسوة:
سلاح خارج الدولة يعني استمرار الذريعة الأمنية الإسرائيلية، ونزع السلاح من دون ضمانات بالانسحاب يعني خطر تحويل الترتيبات الأمنية إلى واقع دائم.
الجنوب يتحول إلى مختبر للمرحلة المقبلة
المناطق التجريبية في الجنوب ليست تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل قد تكون الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها.
فالمطلوب ليس مجرد انتشار الجيش، وإنما إثبات أن المناطق التي ينسحب منها حزب الله أصبحت فعلًا تحت سلطة الدولة وخالية من السلاح غير الشرعي.
وهنا تبدأ المعركة الأصعب: من يتحقق؟ ومن يراقب؟ ومن يقرر أن المنطقة أصبحت آمنة؟
وجود آليات تنسيق أمريكية يجعل واشنطن لاعبًا أساسيًا في هذه العملية، فيما تريد إسرائيل ضمانات ميدانية صارمة تمنع تكرار سيناريوهات انهيار التفاهمات السابقة.
وبالتالي، فإن الجنوب قد يصبح النموذج الذي سيحدد ما إذا كان لبنان متجهًا فعلًا نحو وقف دائم للصراع، أم نحو جولة جديدة من الحرب.
انفجار المرفأ… ست سنوات والعدالة تحت الاختبار
وبينما يُطلب من اللبنانيين الثقة بالدولة وبمؤسساتها، يبقى انفجار مرفأ بيروت الجرح الأكثر نزفًا.
كارثة 4 آب لم تكن مجرد انفجار هائل دمّر جزءًا من العاصمة، بل كشفت، بحسب منصور، أزمة دولة كاملة: أجهزة كانت تعلم بوجود المواد الخطرة، مسؤولون تلقوا التحذيرات، ومؤسسات امتلكت المعلومات، لكن المحاسبة تأخرت سنوات.
ورغم أن التحقيق القضائي دخل في 2026 مرحلة جديدة بعد إعلان القاضي طارق البيطار انتهاء التحقيق وإحالته إلى المدعي العام التمييزي، فإن السؤال الأكثر قسوة لا يزال قائمًا:
متى تتحول نتائج التحقيق إلى محاسبة فعلية؟
فأهالي الضحايا لا يريدون بيانات جديدة ولا سجالات سياسية، بل يريدون أسماء ومسؤوليات وأحكامًا.
وبالنسبة إليهم، كما تقول منصور، فإن الثقة بعدالة الأرض أصبحت شبه معدومة.
أموال المودعين… أين اختفت المسؤولية؟
أما الانهيار المالي، فهو الوجه الآخر للكارثة.
مئات آلاف اللبنانيين خسروا القدرة على الوصول إلى مدخراتهم، فيما دخل القطاع المصرفي في أزمة غير مسبوقة، وتوزعت المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والسلطة السياسية والسياسات المالية التي سبقت الانهيار.
وترفض منصور اختزال كل ما حدث بشخص رياض سلامة وحده، معتبرة أن المطلوب كشف الشبكة الأوسع التي أنتجت الانهيار، وتحديد من استفاد ومن خسر ومن اتخذ القرارات.
فالمعركة ليست فقط مع شخص أو مصرف، بل مع منظومة مالية وسياسية كاملة.
والسؤال الذي يلاحق اللبنانيين منذ سنوات:
من سيعيد أموال المودعين؟ ومن سيدفع ثمن الانهيار؟
سوريا وتركيا… الخطر القادم من الشرق
ولا يتوقف الخطر عند الجنوب.
فالحدود اللبنانية ـ السورية قد تتحول إلى مصدر ضغط جديد إذا انتقلت إليها مجموعات مسلحة من الساحة السورية أو وقعت احتكاكات بين فصائل مسلحة ومكونات لبنانية.
وتحذر منصور من أن أي انفلات أمني واسع في البقاع أو عكار يمكن أن يعيد لبنان إلى مناخ الحرب الأهلية، وأن يدفع حتى خصوم حزب الله إلى إعادة النظر في مواقفهم إذا ظهر تهديد مسلح جديد على الحدود.
وهنا تكمن المفارقة:
قد يؤدي نزع السلاح في الداخل، إذا لم يترافق مع حماية الحدود واحتكار الدولة للقوة، إلى فراغ أمني تستغله قوى أخرى.
واشنطن وترامب… لبنان داخل لعبة أكبر
لبنان، وفق هذه القراءة، ليس جزيرة معزولة.
ما يجري فيه مرتبط بالمواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، وبأمن إسرائيل، وبأمن الخليج، وأسعار النفط، ومضيق هرمز، والقواعد الأمريكية في المنطقة، وحتى بمخزونات أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية.
وترى منصور أن إدارة دونالد ترامب لا تتحرك بصورة عشوائية، بل ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب النفوذ والطاقة وموازين القوة.
لكن بالنسبة إلى لبنان، يبقى السؤال الأخطر:
هل سيكون لبنان شريكًا في صناعة التسوية، أم مجرد ساحة تُطبق عليها تسويات الآخرين؟
عون وهيكل أمام اللحظة الأصعب
أمام الرئيس جوزيف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل اختبار لا يشبه ما سبقه.
فالمطلوب ليس فقط الانتشار في الجنوب، بل بناء دولة تستطيع أن تقول إن قرار الحرب والسلم والسلاح والحدود أصبح قرارًا لبنانيًا رسميًا.
وفي المقابل، فإن أي عملية نزع سلاح بالقوة يمكن أن تهدد الاستقرار الداخلي وتفتح بابًا لمواجهة لبنانية ـ لبنانية.
لذلك تبدو المعادلة أشبه بالسير فوق حبل مشدود:
نزع السلاح من دون حرب أهلية، استعادة الأرض من دون احتلال مقنّع، والتفاوض مع الخارج من دون التفريط بالسيادة.
لبنان أمام لحظة الحقيقة
ما تقوله د. زينة منصور، في جوهره، يتجاوز ملف حزب الله أو إسرائيل أو المرفأ أو المصارف.
إنه سؤال عن بقاء الدولة اللبنانية نفسها.
لبنان أمام مفترق طرق تاريخي:
إما أن تنجح مؤسساته في تحويل الاتفاقات الدولية إلى فرصة لبناء دولة ذات سيادة، أو أن يبقى ملعبًا مفتوحًا للحروب بالوكالة والتدخلات الخارجية.
والمعادلة التي تختصر المرحلة المقبلة ربما تكون أكثر قسوة من كل الشعارات:
هل يريد لبنان الأرض والدولة والسيادة معًا؟
إذا كان الجواب نعم، فالمطلوب سلاح واحد، قرار واحد، وقضاء واحد.
أما إذا بقيت الدولة نصف دولة، والسلاح متعددًا، والقرار موزعًا، والقضاء عاجزًا، والمحاسبة مؤجلة، فإن أي اتفاق لن يكون أكثر من هدنة مؤقتة قبل العاصفة التالية.
لبنان اليوم أمام لحظة الحقيقة: إما أن يولد كدولة، أو يبقى ساحة.
