قراءة في اتفاقية مكة ورؤية الدكتور محمد الجبور لصناعة التوازن الدولي
اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، هي لحظة تستحق أن تُقرأ بعين استراتيجية، لأنها تفتح سؤالاً أكبر: هل بدأ العالم الإسلامي أخيراً الانتقال من موقع الاستجابة للآخرين إلى موقع صناعة قراره وموازين قوته؟
وهنا تحديداً تتجلى قيمة فكر الدكتور محمد الجبور. فقد تجاوز في قراءته حدود الاتفاقية، ولم يتعامل معها كخبر سياسي ينتهي بانتهاء مراسم التوقيع، بل التقط ما وراء الحدث: احتمال تشكل نواة لقوة إقليمية إسلامية قادرة، إذا امتلكت الإرادة والمؤسسات، على تحويل الإمكانات المتفرقة إلى نفوذ منظم.
وهذه قراءة تستحق الإشادة؛ لأنها لا تسأل فقط: ماذا حدث؟ بل تسأل السؤال الأخطر: ماذا يمكن أن يحدث بعده؟
السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقوي والمالي والجيوسياسي، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية ودفاعية متقدمة وموقعاً استراتيجياً فريداً، وباكستان تمتلك ثقلاً سكانياً وعسكرياً وموقعاً محورياً في جنوب آسيا.
ثلاث دول، وثلاثة مصادر للقوة، وثلاثة أقاليم استراتيجية.
لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في جمع هذه القدرات، بل في تحويلها إلى منظومة.
فالاتفاقية لن يصنعها الحبر، ولن تصنعها البيانات والقمم. قيمتها ستُقاس بما تنتجه: صناعات دفاعية مشتركة، تكنولوجيا وذكاء اصطناعي، أمن سيبراني، أمن طاقة، حماية للممرات البحرية، تكامل اقتصادي واستثماري، وتنسيق دبلوماسي أكثر فاعلية.
هنا فقط يمكن أن تنتقل الفكرة من «اتفاقية» إلى «منظومة».
والقطب الحقيقي لا يُبنى بالصواريخ وحدها.
القوة في القرن الحادي والعشرين هي اقتصاد وتكنولوجيا وطاقة وأسواق وصناعة وموارد بشرية ومؤسسات وقدرة على اتخاذ القرار.
ولهذا فإن بناء قوة إسلامية مستقلة نسبياً لا يعني إعلان حرب على الشرق أو الغرب، بل يعني ببساطة امتلاك القدرة على التعامل مع الجميع من موقع القوة والمصلحة والندية.
لكن الطريق ليس سهلاً.
فبين توقيع اتفاقية وولادة قطب مسافة تصنعها الإرادة السياسية، والاستمرارية، والمؤسسات، والقدرة على تجاوز الخلافات.
وهنا يصبح اختبار مكة حقيقياً:
هل تتحول الاتفاقية إلى مؤسسة؟
وهل تتحول المؤسسة إلى منظومة؟
وهل تستطيع المنظومة أن تتوسع إلى شبكة استراتيجية أوسع؟
إذا حدث ذلك، فلن تكون مكة مجرد مكان وُقعت فيه اتفاقية دفاعية، بل قد تصبح عنواناً لبداية تحول تاريخي في موقع العالم الإسلامي داخل النظام الدولي.
لقد أصاب الدكتور محمد الجبور جوهر المسألة: العالم الإسلامي لا تنقصه عناصر القوة، وإنما تنقصه القدرة على تنظيمها وتحويلها إلى مشروع.
ومن هنا فإن الإشادة بفكر الجبور ليست إشادة بقراءة سياسية عابرة، بل تقدير لطرح يضع إصبعه على واحدة من أهم معضلات العالم الإسلامي: امتلاك الإمكانات دون امتلاك منظومة توظفها.
قد لا يكون القطب الإسلامي قد وُلد في مكة بعد.
لكن ملامح الفكرة بدأت تظهر.
والتاريخ لن ينتظر طويلاً.
فإما أن تتحول الإمكانات إلى قوة، والقوة إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى نفوذ…
أو يواصل الآخرون صناعة مستقبل المنطقة والعالم الإسلامي من دون أن يكون له مقعد حقيقي على طاولة صناعة القرار.
نعم… قد تكون مكة بداية فصل جديد.
فصل ينتقل فيه العالم الإسلامي من انتظار موازين القوة إلى المشاركة في صناعتها.
