لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مجرد خطاب أردني آخر يضاف لسلسلة الخطابات الملكية في المحفل الدولي. فقد اختار جلالته أن يبدأ من زاوية مختلفة: الانتباه.
ففي عالم تتوالى فيه الحروب والأزمات والمآسي بسرعة غير مسبوقة، لم تعد المشكلة أن العالم لا يعرف ما يحدث؛ فالمعلومات تصل إلى الجميع في اللحظة نفسها تقريباً. المشكلة، كما طرحها جلالة الملك، هي: إلى ماذا ننتبه؟ وما الذي نتركه خلفنا؟ ومن يدفع ثمن هذا التجاهل؟ وهنا تكمن خصوصية خطاب هذا العام، فحين يقول الملك إن ما يختار المجتمع الدولي أن يوليه اهتمامه يحدد مصير النزاعات والأزمات الإنسانية، وإن ما نهمله اليوم غالباً ما يشكل مستقبلنا، فإنه لا يتحدث عن الإعلام وحده ولا عن الرأي العام وحده، وإنما يضع أمام النظام الدولي كله مسؤولية أخلاقية وسياسية، فالتجاهل ليس موقفاً محايداً دائماً، ومن هذه المقدمة الفكرية انتقل جلالته إلى فلسطين، حيث لم يسمح بأن تتحول المأساة الفلسطينية إلى خبر يومي فقد قدرته على إثارة الانتباه، وكان واضحاً في حديثه عن غزة: ما يحدث ليس أزمة إنسانية عابرة يمكن للعالم أن يتعايش معها، بل محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد، وكان أكثر وضوحاً في حديثه عن الضفة الغربية، حين وصف سياسة الحكومة الإسرائيلية هناك بالتهجير القسري وجريمة الحرب، وهذه نقطة مهمة في الخطاب؛ لأن التركيز الدولي على غزة لا ينبغي أن يجعل الضفة الغربية تغيب عن المشهد. فالقضية الفلسطينية ليست غزة وحدها، كما أنها ليست الضفة وحدها بل شعب وأرض وحقوق ومدينة مقدسة ودولة وحق في تقرير المصير.
من هنا جاء تأكيد جلالة الملك أن الأمن لا يمكن أن يتحقق بالقوة وحدها، وأن الحروب المتكررة لا تنتج سلاماً، بل تورث أجيالاً جديدة من الفلسطينيين والإسرائيليين شعوراً بأن السلاح هو الملاذ الوحيد، أما البديل، فقد أعاد الملك طرحه بوضوح: حل الدولتين، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية إلى جانب إسرائيل آمنة تعيش بسلام مع جيرانها.
لقد حمل خطاب اليوم بعداً آخر لا يقل أهمية للأردن، فالمملكة لم تظهر أمام العالم باعتبارها دولة تراقب المأساة من بعيد وتصدر المواقف السياسية فقط، وإنما باعتبارها دولة تعمل على الأرض. فقد تحدث جلالته عن الأردن بوصفه مركزاً رئيسياً للاستجابة الإنسانية الدولية في غزة، وعن القوافل البرية والطواقم الطبية والطائرات والأطباء والممرضين الذين يواصلون تقديم المساعدة حتى في ظروف الخطر، وهنا يبرز وجه آخر للسياسة الأردنية: الأردن يقول ما يؤمن به، لكنه يحاول أيضاً أن يفعل ما يستطيع، هذه المعادلة مهمة لدولة مثل الأردن؛ دولة محدودة الموارد، لكن تحمل مسؤوليات تفوق إمكاناتها، وتجد نفسها في قلب إقليم مضطرب، وتصر في الوقت نفسه أن الدبلوماسية والقانون الدولي والعمل الإنساني ليس شعاراً بل أدوات حماية للإنسان واستقرار للدول.
أما في القدس، بقي الموقف الأردني حاضراً في سياق الثوابت المعروفة للمملكة، وفي مقدمتها حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها، لكن ما يجعل خطاب هذا العام مختلفاً هذه المرة هو أن الملك لم يكتفِ بتكرار هذه الثوابت، بل وضعها ضمن سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه، فالجمعية العامة للأمم المتحدة تعقد دورتها الحادية والثمانين تحت عنوان استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع، وإذا كان العالم يبحث عن استعادة الثقة، فإن الطريق إلى ذلك لا يمكن أن يكون بالكلمات وحدها، فالثقة تبدأ عندما يشعر الإنسان أن القانون الدولي واحد، وأن حياة المدنيين لها القيمة نفسها، وأن الحقوق لا تتغير بتغير هوية أصحابها، وأن المجتمع الدولي لا ينتظر وصول الأزمة إلى مرحلة الكارثة حتى يبدأ بالتحرك، من هنا تبدو فكرة (الانتباه) التي بدأ بها الملك خطابه أكثر عمقاً مما قد يبدو للوهلة الأولى، فما الذي يحدث عندما يعتاد العالم على مشهد الضحايا؟ وماذا يحدث عندما تتحول المأساة إلى رقم، والتهجير إلى خبر، والدمار إلى صورة عابرة على شاشات الهواتف؟ اليس هنا يصبح الانتباه نفسه مسؤولية؟ فالذي لا ينتبه إلى جذور الأزمة اليوم قد يضطر إلى التعامل غداً مع نتائجها الأكثر تعقيداً، والذي يؤجل الحل السياسي قد يجد نفسه أمام حروب جديدة، والذي يتعامل مع معاناة شعب باعتبارها أزمة مؤقتة قد يكتشف لاحقاً أن الأزمة أصبحت واقعاً سياسياً وجغرافياً يصعب تغييره، وهذا تحديداً ما يحاول الأردن التحذير منه منذ سنوات.
ولعل أكثر ما يميز خطاب جلالة الملك هذه المرة أنه جمع بين ثلاث دوائر في رسالة واحدة: الإنسان، والقانون، والسياسة، فالإنسان يحتاج إلى وقف الحرب والمساعدات، والقانون يحتاج إلى احترام قرارات الشرعية الدولية، والسياسة تحتاج إلى حل ينهي الصراع من جذوره، وهكذا لم يكن هذا الخطاب أمام الأمم المتحدة مجرد دفاع عن موقف أردني، وإنما تذكيراً للمجتمع الدولي بأن ترك الأزمات تتراكم ليس حلاً لها..
من على منبر الأمم المتحدة، جاءت الرسالة الملكية واضحة: إذا كان العالم يريد أن يستعيد ثقته بمؤسساته، فعليه ألا يكتفي برؤية المأساة، بل أن يتحرك لمنع استمرارها؛ وألا يكتفي بإدارة الصراع، بل أن يعالج جذوره؛ وألا يسمح بأن يصبح الظلم أمراً معتاداً لمجرد أن العالم اعتاد رؤيته، هنا، ربما، تكمن قوة خطاب الملك هذا العام: فلم يسأل العالم فقط: ماذا ستفعلون؟ بل سبقه بسؤال أكثر عمقاً: ماذا اخترتم أن تروا، وماذا اخترتم ألا تروا؟
