لم أسافر إلى إيطاليا بحثًا عن التاريخ.
سافرت لأقضي إجازتي ، وأتنفس قليلًا بعيدًا عن صخب الحياة. لكن القدر كان يخبئ لي لقاءً لم أتوقعه.
في بيت خالي طبيب الأطفال امجد الذي جاء الى ايطاليا لدراسة الطب قبل 45 سنة ولم يغادرها، وبين صندوق قديم نسيه الزمن، وقعت عيناي على ثلاث ميداليات، وورقة صفراء تجاوز عمرها ثمانين عامًا. حملتها بفضول، وما إن قرأت الاسم حتى توقفت…
راشد محمود أبو سالم.
جدي..
في تلك اللحظة، لم أكن أحمل ميداليات من معدن… كنت أحمل قطعة من عمر رجل رحل منذ سنوات، وما زال يترك لنا بين حين وآخر سببًا جديدًا لنفتخر به.
بدأت أبحث.
لا لأصنع بطولة لم تكن، ولا لأضيف إلى سيرته ما لم يعشه. بل لأنني أردت أن أعرف أكثر عن ذلك الرجل الأردني البسيط، ابن إربد، الذي لم يكن يومًا من أصحاب المناصب أو الألقاب، لكنه كان واحدًا من أبناء جيله الذين عاشوا زمنًا استثنائيًا.
وتبين أن هذه الميداليات ليست تذكارات عابرة، بل أوسمة رسمية مُنحت له تقديرًا لخدمته خلال الحرب العالمية الثانية، حين كان يؤدي واجبه ضمن قوة حدود شرق الأردن (Trans-Jordan Frontier Force).
ولأن التاريخ قد يُساء فهمه إذا اقتطع من زمانه، أحب أن أوضح أمرًا مهمًا.
في تلك السنوات، لم تكن المملكة الأردنية الهاشمية قد استقلت بعد، بل كانت البلاد تُعرف بإمارة شرق الأردن. وكانت قوة حدود شرق الأردن هي القوة النظامية التي انضم إليها أبناء البلاد آنذاك.
لهذا، لم يكن جدي يقاتل وطنه، ولم يكن يخدم محتلًا ضد أهله. كان يخدم الأرض التي وُلد عليها، في زمن سبق استقلال الأردن وقيام دولته الحديثة.
وليس من العدل أن نحاكم رجال الأمس بحدود الخرائط التي رُسمت بعدهم.
أكثر ما أثر فيّ، أن جدي لم يكتب مذكراته، ولم يترك لنا حكايات طويلة عن تلك الأيام.
- #image_title
- #image_title
- #image_title
- #image_title
- #image_title
- #image_title
ترك ثلاث ميداليات…
وورقة رسمية…
واسمًا كُتب بخط اليد.
ثم مضى.
وأدركت أن بعض الرجال لا يتحدثون كثيرًا عن أنفسهم، لكن الزمن يتحدث عنهم نيابةً عنهم.
كم من الأشياء يحتفظ بها الآباء والأجداد في صمت، دون أن يخطر ببالهم أن حفيدة، بعد أكثر من ثمانين عامًا، ستفتح صندوقًا في بيت قريب لها في إيطاليا، فتعود بهم الذاكرة إلى إربد، وإلى زمن كانت الحياة فيه أصعب، لكن الرجال كانوا يؤمنون بأن أداء الواجب لا يحتاج إلى تصفيق.
اليوم، وأنا أنظر إلى هذه الميداليات، لا أراها ذهبًا ولا برونزًا. أراها يدًا خشنة عملت، وتعبت، وعادت إلى بيتها دون ضجيج.
أراها وجهًا لم يبحث عن المجد، لكنه استحق الاحترام.
رحم الله جدي راشد محمود أبو سالم.
ورحم جيلًا كاملًا عاش الأحداث، ثم رحل بصمت… تاركًا لنا أمانة أن نحكي قصته كما كانت، بصدق، وبمحبة، ودون مبالغة.
اليوم اكتشفت أن بعض الأجداد لا يرحلون تمامًا… يتركون ميدالية في صندوق، أو ورقةً طواها الزمن، ثم ينتظرون حفيدًا يفتحها بعد عشرات السنين… ليكمل الحكاية.”






