عروبة الإخباري –
اندبندنت عربية –
يدخل صراع الهوية اليوم أقسى مراحله، لأن الطرف الذي بنى نفوذه على السلاح يشعر أن الزمن الإقليمي الذي وفر له الحماية يتغير. ولهذا سيرفع مستوى التهديد، وسيستخدم خطاب الطائفة، وسيحذر من الفتنة، وسيصف أي تفاوض بأنه استسلام وأي مطالبة بنزع السلاح بأنها مؤامرة، وأي عودة إلى الدولة بأنها خدمة لإسرائيل.
لا يحتاج المرء في الشارع اللبناني اليوم إلى أكثر من رفع شعار “لبنان أولاً” حتى يصبح متهماً بالعمالة، ويكفي أن يطالب بأن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل لحماية أرضها واستعادة قرارها حتى تنهال عليه تهم الخيانة والتطبيع والارتهان للخارج. فالفريق الموالي لـ”حزب الله” لا يناقش الفكرة ولا يواجه الحجة بل يلجأ مباشرة إلى سلاح التخوين، في محاولة لإسكات كل من يرفض بقاء لبنان رهينة حرب دائمة، وفق توقيت الآخرين ومصالحهم.
لا يحتاج المرء في الشارع اللبناني اليوم إلى أكثر من رفع شعار “لبنان أولاً” حتى يصبح متهماً بالعمالة، ويكفي أن يطالب بأن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل لحماية أرضها واستعادة قرارها حتى تنهال عليه تهم الخيانة والتطبيع والارتهان للخارج. فالفريق الموالي لـ”حزب الله” لا يناقش الفكرة ولا يواجه الحجة بل يلجأ مباشرة إلى سلاح التخوين، في محاولة لإسكات كل من يرفض بقاء لبنان رهينة حرب دائمة، وفق توقيت الآخرين ومصالحهم.

والمفارقة أن الجهة نفسها التي توزع شهادات الوطنية على اللبنانيين لا تخفي ولاءاتها العابرة للحدود. وكان جاهر الحزب بأن حربه الأخيرة لم تكن دفاعاً عن لبنان بل “إسناداً لغزة”، ثم ربط استمرارها بالدفاع عن إيران ومشروعها الإقليمي. وقبل ذلك، عبر الحدود إلى سوريا للقتال إلى جانب نظام رئيس سوريا السابق بشار الأسد، من دون تفويض من الدولة اللبنانية، ومن دون أن يسأل اللبنانيين إن كانوا يريدون تحويل بلادهم إلى طرف في حرب سورية داخلية. وقبل سوريا وبعدها، كان لبنان يُستدعى إلى حروب المنطقة كلما احتاج المحور الإيراني إلى جبهة أو ورقة ضغط أو صندوق بريد.
وهنا تكمن الازدواجية الصارخة، من يطالب بأن يتفاوض لبنان باسمه ومن أجل مصلحته يُتهم بالعمالة، أما من يحمل السلاح دعماً لغزة ويقاتل في سوريا ويعلن ارتباطه بإيران، فيمنح نفسه صفة الوطنية ويقرر من هو اللبناني ومن هو الخائن.
وهذا ليس خلافاً حول إسرائيل وحدها، بل هو صراع على تعريف الولاء نفسه، إذ إن هناك فريقاً يعد أن الدفاع عن لبنان يبدأ بإخضاع مصالحه لمحور إقليمي، مقابل فريق يقول إن لبنان ليس جبهة احتياط ولا ساحة إسناد ولا ممراً إلى حروب الآخرين، فـ”الوطنية” لا تعني أن نموت من أجل قضايا المنطقة، بينما يصبح الدفاع عن مصلحة لبنان “خيانة“.
وعليه، يدخل صراع الهوية اليوم أقسى مراحله، والفكرة ليست من يؤيد “حزب الله” ومن يعارضه، بل لمن يكون الولاء عندما تتعارض مصلحة لبنان مع مصلحة إيران أو غزة أو سوريا، أو أي فريق إقليمي أو عربي؟ وهل لبنان وطن نهائي يقرر حربه وسلمه، أم مجرد ساحة متقدمة في مشروع لا يملك اللبنانيون حق الاعتراض عليه؟
صراع بين لبنانين
لم يعد الصراع الدائر في لبنان خلافاً سياسياً بين فريقين، ولا نزاعاً تقليدياً حول حكومة أو رئيس أو قانون انتخاب، فما يواجهه لبنان اليوم هو صراع وجودي على هويته، على معنى الدولة فيه، وعلى الجهة التي يحق لها أن تقرر مستقبله، إنه صراع بين لبنانين لا يمكن لهما أن يستمرا طويلاً تحت سقف واحد.
يريد لبنان الأول أن يكون دولة نهائية لجميع أبنائه، دولة عربية الانتماء، مستقلة القرار، تحتكر مؤسساتها السلاح والتفاوض والحرب والسلم، وتبني علاقاتها الخارجية انطلاقاً من مصالح شعبها.
أما لبنان الثاني فيتعامل مع البلاد باعتبارها قاعدة عسكرية متقدمة، وجبهة مفتوحة، وساحة من ساحات “المحور”، ويمكن استخدامها كلما احتاجت إيران إلى تحسين شروط تفاوضها، أو الرد على خصومها، أو حماية مشروعها الإقليمي.
وفي مقابل من يرى أن النسخة الأولى من لبنان هي الأصح والأجدر بالاستعادة، يذهب آخرون إلى قراءة مغايرة أكثر حدة، مُفادها أن عقوداً من التفاوض الفلسطيني والعربي مع إسرائيل لم تنتج سوى مراوحة عقيمة، وأن الدبلوماسية أثبتت عجزها عن تحقيق أي اختراق فعلي. من هذا المنطلق، يعد هؤلاء أن خيار المواجهة ورفع السلاح، بغض النظر عن مصدره أو تمويله، ليس مجرد بديل، بل هو الخيار الوحيد القادر، في نظرهم، على فرض معادلات جديدة، في حين تبقى طاولات التفاوض مجرد مساحة لإدارة الوقت لا لصناعة الحلول.
وبين هذين النموذجين دخل صراع الهوية أقسى مراحله، وليست المشكلة في الطوائف بل في المشروع. ومن الخطأ اختزال ما يحدث بمواجهة بين الشيعة وبقية اللبنانيين، أو بين المسيحيين والمسلمين، أو بين بيئات مؤيدة وأخرى معارضة لـ”حزب الله“.
فالمواطن الشيعي ككل اللبنانيين يريد دولة تحميه وتؤمن له مستشفى ومدرسة وفرصة عمل، وهو ليس عدواً للدولة بطبيعة الحال. لكن المشروع الذي يقرر عنه متى يحارب ومتى يهجر ومتى يدفع أبناءه إلى الموت خدمة لحسابات إقليمية، هو مشروع يصادره قبل أن يصادر بقية اللبنانيين. ولا جدال في أن “حزب الله” لم يعد مجرد حزب لبناني يمتلك جناحاً عسكرياً، بل تحول على مدى عقود إلى بنية موازية للدولة، سلاح مستقل وأمن مستقل واقتصاد موازٍ وسياسة خارجية خاصة، وحدود مفتوحة على شبكة إقليمية مركزها طهران. ومن هنا، ليس الخلاف معه خلافاً حول “استراتيجية دفاعية”، بل حول السؤال الأساس وهو هل لبنان دولة، أم مساحة جغرافية تستخدمها جماعة مسلحة لمصلحة دولة أخرى؟
من يعرف لبنان؟
تاريخياً، وعند كل أزمة كبرى عرفها لبنان كانت في جوهرها أزمة تعريف، هل لبنان امتداداً لسوريا؟ أو هل هو جزء من مشروع قومي عربي؟ أو هل هو ساحة للفصائل الفلسطينية؟ أو هل هو منصة للنفوذ الإيراني؟ أم أنه وطن نهائي له حدوده ودستوره ومؤسساته ومصالحه الخاصة؟
وعلى مدى أعوام طويلة تجنب اللبنانيون الإجابة عن هذا السؤال، ولجأوا إلى التسويات وإلى العبارات الرمادية، وإلى الصيغ التي تسمح لكل فريق بأن يعيش داخل لبنان، فيما ينتمي سياسياً وعاطفياً إلى مشروع خارجه، لكن هذه المرحلة انتهت بعدما أرهقت لبنان واللبنانيين.
ولم يعد ممكناً الحديث عن “وحدة وطنية” في ظل وجود طرف يحتكر قرار الحرب، ولا يمكن الحديث عن “شراكة” عندما يستطيع حزب واحد أن يفتح جبهة ويستدعي حرباً ويهجر أكثر من مليون لبناني، ثم يطالب بقية اللبنانيين بالصمت تحت شعار التضامن الوطني. فالهوية لا تُقاس بالشعارات، بل بالولاء عند لحظة الاختبار، وعندما تتعارض مصلحة لبنان مع مصلحة إيران، يجب أن يكون الخيار واضحاً، لبنان أولاً، وأي إجابة أخرى تعني عملياً أن لبنان ليس وطناً بل وظيفة.
وعليه تجول في خاطر كل لبناني أسئلة جوهرية حول هل كشفت الحرب الأخيرة سقوط الرواية التي كانت تجمع جزءاً كبيراً من اللبنانيين؟ وهل انتقل اللبنانيون من الانقسام حول السلاح إلى الانقسام حول معنى الوطن؟ وهل المشكلة اليوم في السلاح، أم في هوية القرار السياسي؟ وماذا يعني انتقال المنطقة من منطق “محور الممانعة” إلى منطق التسويات؟
لبنان أسير صراعات الهويات
يقول الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة “كان لبنان دائماً أسير صراع الهويات، وصراع الهويات ليس صراعاً مقتصراً على الجغرافيا اللبنانية، إنما هو صراع في المنطقة. وكل الكيانات العربية وخصوصاً في بلاد الشام تعاني صراع الهويات، بالمعنى الإثني والوطني والكياني والطائفي، وهذه صراعات استمرت على رغم ولادة الكيانات من بعد معاهدة
ويضيف “في لبنان، عدلت الحرب الأخيرة موازين القوى حول السردية التي كانت تجمع اللبنانيين قسراً. لقد كان هناك انقسام عمودي بين اللبنانيين منذ عقود حول القضايا الأساس في البلاد، وأقله من بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005، والانقسام كان حول معنى الدولة والنظرة إليها، وحول مسألة الميليشيات والمافيا، وحول الحزب وسلاحه ووظيفته الخارجية والداخلية ومحاولته السيطرة على البلاد تارة بالقوة وأخرى بالنفوذ والسلطة. وبناء على ذلك، كسرت الحرب الأخيرة موازين القوى التي كانت تميل بصورة فاضحة وكاملة إلى الرواية التي جعلت من لبنان منصة إيرانية، وكسرت أيضاً السردية التي تفرق ما بين اللبنانيين إلى وطني وعميل، على قاعدة وصم كل معارض للحزب ولهذا المحور بأنه عميل. والآن هناك تهم ويُرشق المعارضون بتهمة العمالة، لكن هذه التهمة سقطت عملياً ولم تعد مؤثرة في المجتمع اللبناني، وعلى العكس أصبح الطرح الذي يتحدث عن مناصرة السلام في لبنان وطي صفحة الحروب، أكثر قوة من ذي قبل“.
ويتابع الكاتب حمادة أن “الانقسام الموجود حول السلاح هو نتيجة للانقسام حول معنى الوطن، هناك فئة ترى الوطن منصةً وجزءاً من أمة لا حدود لها، وجزءاً من الثورة الإيرانية التي يسعى النظام في إيران إلى تصديرها إلى العالم، وتعد لبنان ولاية من ولاياتها. ولكن معنى الوطن بالنسبة إلى الأكثرية اللبنانية هو وطن نهائي بحدوده النهائية”. ويضيف حمادة “كما أن معظم اللبنانيين هدفهم إقامة دولة مدنية تحتضن مواطنيها على قدم المساواة، وترفع مشروع الدولة كأساس ومشروع الخضوع للقانون بالتساوي بين الجميع، بالتالي هذا الصراع حول السلاح مصدره الخلاف العميق حول لبنان ومعناه“.
في المقابل، يقول الصحافي تمجيد قبيسي إن “الحرب أسقطت رواية أن المشكلة هي سلاح الحزب، وعندما وقع العدوان تبين أن الخطر الحقيقي هو المشروع الإسرائيلي. وهنا سقطت أقنعة كثيرة، وانكشف من يقف مع حق لبنان في الدفاع عن نفسه ومن يعمل لمصلحة العدو من موقعه“.
ويتابع “بالتأكيد الانقسام اليوم لم يعد حول السلاح، بل حول مفهوم الوطن نفسه، هل هو وطن سيد يرفض الإملاءات الخارجية ويملك عناصر قوته ويسعى إلى الحفاظ عليه، أم وطن تابع تُصاغ قراراته في السفارات ويُطلب منه التخلي عن كل وسائل الدفاع تحت شعار الاستقرار؟“.
إذاً هل المشكلة في السلاح أم في هوية القرار السياسي؟
إن قرار الحرب هو جوهر الهوية، ومن يملك قرار الحرب يملك الدولة، وهذه ليست وجهة نظر سياسية، بل قاعدة سيادية بديهية. ولا يمكن لدولة أن تدعي السيادة إذا كان قرار الحرب والسلم موجوداً في مقر حزبي، أو مرتبطاً بتعليمات عسكرية تأتي من خارج الحدود. ولا يمكن لحكومة أن تطلب من العالم الاعتراف بشرعيتها بينما تتصرف جماعة مسلحة على أرضها كأنها الدولة الفعلية.
خلال الأعوام الماضية، أدخل “حزب الله” لبنان في حروب لم يقررها اللبنانيون، وربط الجبهة اللبنانية بغزة، ثم ربط مصير لبنان بالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ومنذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شارك الحزب في القتال تحت عنوان “إسناد غزة”، على رغم اعتراض الحكومة وقوى لبنانية واسعة، وهو ما أعاد بصورة أكثر حدة طرح مسألة احتكار الدولة للسلاح واستخدام القوة. وفي مارس (آذار) الماضي، انتقل الصراع من مستوى النقاش السياسي إلى مستوى القرارات الحكومية المباشرة، مع إعلان حظر النشاط العسكري لـ”حزب الله”، والتشديد على حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة.
تواطؤ بين السلاح والفريق الحاكم
يشير الكاتب علي حمادة إلى أن “المشكلة تكمن في السلاح والقرار السياسي مجتمعين، لأن القرار السياسي حمى السلاح بالتواطؤ مع معظم القيادات السياسية اللبنانية أي الطاقم الحاكم اللبناني، والذي تواطأ مع السلاح وغطاه، وفي المقابل هذا السلاح أمن له تغطية لتبادل المنافع والتخادم والزبائنية والمنافع ذات الطابع السلطوي والمالي والمادي في البلد، وتبادلوا الخدمات وحكموا البلاد بهذه الطريقة. أما اليوم هناك بداية سقوط جدية وحقيقة لهذه المعادلة، معادلة التخادم ما بين السلاح والطاقم السياسي والذي وصل إلى نهايات هذه التغطية وتبادل المنفعة مع السلاح من خارج الشرعية، ويتأكد يوماً بعد يوم أن هذه المعادلة هي في طور السقوط وطي صفحتها“.
ويتابع حمادة “منطق ’المقاومة‘ هو منطق العودة إلى صراعات مذهبية وقبائلية تعود إلى أكثر من 14 قرناً إلى الوراء، أيضاً هذا المنطق هو خدمة محور لمصلحة نظام، هذا المحور ليس مقاوماً، بل محور سلطوي وليس طائفياً بمعنى أنه يمثل ديناً معيناً أو مذهباً معيناً، هو مدرسة سياسية سيطرت بالقوة على مقدرات طائفة في لبنان بالقوة وبالترهيب والترغيب والمصالح المالية والخدمات والتحريض الطائفي والمذهبي والقبائلي والعشائري“.
ويعد أن “منطق التسويات هو المنطق الذي يسير عليه العالم العربي بأسره وإن بتفاوت ما بين جهة وأخرى، إنما لبنان يلتحق جدياً بمنطق التسويات لأنه دفع ثمن حروب الآخرين على أرضه منذ عام 1965 أي منذ دخل الفدائيون الفلسطينيون الأراضي اللبنانية، وبدأت تحارب انطلاقاً من الحدود اللبنانية. وتفاقمت الأمور بين عامي 1966 و1970 عندما قامت الدولة اللبنانية بالتنازل عن سيادتها على جزء من أراضيها في الجنوب، وبمنطقة العرقوب بما عرف بـ”فتح لاند” وبدأت الكوارث، وبدأ البلد يدخل في الحروب حتى يومنا هذا، نصف قرن من الكوارث ومن الحروب ولولاها لأصبح لبنان دولة متقدمة تنافس دولاً أوروبية وآسيوية متقدمة“.
بدوره، يشير الصحافي تمجيد قبيسي إلى أنه “لم تكن المشكلة يوماً في السلاح، أو بالأحرى في سلاح الحزب الذي يدافع عن سيادة لبنان. فمنذ أعوام، سعت الدول الغربية إلى ترسيخ هذه الفكرة إعلامياً وسياسياً وثقافياً، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية والاعتداءات العسكرية، بهدف تصوير السلاح على أنه أصل المشكلة. غير أن تسليم السلاح لم يكن يوماً وصفة لإنقاذ الدول، والتاريخ مليء بأمثلة لشعوب ودول دفعت أثماناً باهظة عندما فقدت وسائل ردعها أو عجزت عن حماية سيادتها، وهذه الأمثلة تنطبق على لبنان، في ظل القدرات المتواضعة للجيش اللبناني الممنوع من التسلح بقرارات خارجية“.
ويرى أن جوهر المشكلة لا يكمن في السلاح، بل في القرار. فالقرار في لبنان بات خاضعاً لتأثيرات وضغوط دول خارجية تمارس وصاية علنية، فيما وصل أصحاب السلطة بقرار تلك القوى نفسها. لذلك، لا تنطلق عدد من القرارات من مصلحة وطنية، بل من حسابات وإملاءات خارجية تتقاطع مع مصالح العدو الإسرائيلي“.
ويتابع قبيسي “الجولة الاخيرة من الحرب أعادت تكريس المحور ووحدة الساحات، بعدما أثبت أن المواجهة مع العدو الإسرائيلي معركة مصير للمنطقة ككل. وما يسمى التسويات هو مسار تسعى من خلاله الولايات المتحدة إلى فرض وقائع سياسية لم تستطع إسرائيل فرضها بالقوة العسكرية“.
سؤال ما بعد الحرب
التطورات المتسارعة التي حصلت في الإقليم ولبنان، لا تعني أن الدولة استعادت سيادتها بالكامل، لكنها تعني أن زمن التعايش الصامت مع الدولة الموازية اقترب من نهايته. واليوم يعود لبنان إلى السؤال الذي تهرب منه بعد الحرب الأهلية (1975 – 1990)، هل يمكن أن توجد دولة حقيقية في ظل تنظيم مسلح أقوى من مؤسساتها؟
الإجابة باتت واضحة، لا إصلاح اقتصادياً من دون سيادة، ولا استثمار من دون استقرار، ولا إعادة إعمار فيما الحرب يمكن أن تبدأ بقرار حزبي، ولا جمهورية يمكن أن تستمر إذا كان رئيسها وحكومتها وجيشها عاجزين عن منع إطلاق صاروخ من أراضيها. لهذا، فإن معركة السلاح ليست ملفاً منفصلاً عن الأزمة الاقتصادية أو عن الهجرة أو عن انهيار الخدمات بل إنها أصل الأزمة.
الهوية اللبنانية ليست حياداً عن المصالح
في المحصلة، لم يعد اللبنانيون اليوم أمام ترف التسويات الرمادية، والمعركة المقبلة ليست لإلغاء طائفة ولا لإقصاء مكون ولا للانتقام من بيئة، بل لإعادة جميع اللبنانيين بمن فيهم الشيعة إلى دولة واحدة. ذلك أن الهوية اللبنانية ليست نشيداً ولا علماً ولا احتفالاً بعيد الاستقلال، والدفاع عن هذه الهوية لا يعني الانعزال عن المنطقة، ولا التخلي عن القضايا العربية، ولا تجاهل الخطر الإسرائيلي، لكنه يعني أن يكون لبنان سيد قراره.
إذ يمكن للبنان أن يدعم الفلسطينيين سياسياً وإنسانياً من دون أن يدمر نفسه، ويمكنه أن يرفض الاعتداءات الإسرائيلية من موقع الدولة، لا من موقع الساحة. ويمكنه أن يقيم أفضل العلاقات مع إيران، شرط أن تكون العلاقة بين دولتين، لا بين دولة وحزب تابع لها داخل دولة أخرى. من هنا، يدخل صراع الهوية اليوم أقسى مراحله لأن الطرف الذي بنى نفوذه على السلاح، يشعر أن الزمن الإقليمي الذي وفر له الحماية يتغير. ولهذا سيرفع مستوى التهديد، وسيستخدم خطاب الطائفة، وسيحذر من الفتنة، وسيصف أي تفاوض بأنه استسلام، وأي مطالبة بنزع السلاح بأنها مؤامرة، وأي عودة إلى الدولة بأنها خدمة لإسرائيل. إنه الخطاب نفسه الذي تستخدمه كل قوة تخشى خسارة امتيازاتها، أي تحويل الإصلاح إلى خيانة، والسيادة إلى مؤامرة، والدولة إلى عدو.
