ليس كل تكريم مناسبة بروتوكولية عابرة، فهناك تكريمات تتجاوز حدود الاحتفال لتصبح رسالة وطنية بليغة، تؤكد أن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد المخلصين، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد المناصب التي تقلدها، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس. ففي زمنٍ تتسابق فيه الألقاب، يبقى اللقب الحقيقي هو ما يكتبه الإنسان في وجدان وطنه، وما يرسخه في ذاكرة المجتمع من قيم العطاء والوفاء والإخلاص.
ومن هذا المنطلق، جاء تكريم معالي الدكتورة خولة العرموطي، الوزيرة السابقة والناشطة في مجالات التنمية الاجتماعية وحقوق الإنسان والعمل المؤسسي، خلال الاحتفالية الوطنية التي نظمها المركز الريادي بمناسبة عيد الاستقلال والذكرى العاشرة لتأسيسه، برعاية رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف العيسوي، ليحمل دلالات تتجاوز لحظة التكريم نفسها، وليجسد تقديراً مستحقاً لمسيرة وطنية امتدت في ميادين العمل العام والإنساني، ورسالة واضحة بأن الأردن يكرم أبناءه الذين جعلوا من خدمة الوطن والإنسان نهجاً ثابتاً لا تحكمه المواقع ولا المناصب.
فما يميز الشخصيات الوطنية ليس المنصب الذي تشغله، وإنما ما تتركه بعده من أثر. وهذا ما يراه كثيرون في مسيرة معالي الدكتورة خولة العرموطي، التي ارتبط اسمها على مدى سنوات بخدمة المجتمع، والدفاع عن قضايا التنمية الاجتماعية، وتعزيز حقوق الإنسان، وترسيخ ثقافة العمل المؤسسي، إيماناً منها بأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الدولة، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص.
ولم يكن حضورها في هذه الميادين حضوراً شكلياً أو مرتبطاً بمرحلة وظيفية، بل كان امتداداً لقناعة راسخة بأن المسؤولية لا تنتهي بانتهاء المنصب، وإنما تبدأ من الإحساس العميق بالواجب تجاه الإنسان والوطن. لذلك، بقيت معاليها حاضرة في ميادين العمل المجتمعي، مؤمنة بأن خدمة الناس هي أسمى صور الانتماء، وأن قيمة المسؤولية تُقاس بما يقدمه الإنسان من أثر حقيقي في حياة الآخرين.
ومن هنا، برزت مساهماتها في دعم المبادرات الإنسانية والخيرية، والمشاركة في تسيير قوافل الخير والمساعدات الإنسانية للأشقاء في فلسطين، إلى جانب جهودها في دعم الأسر الأردنية المحتاجة، والإسهام في مبادرات التكافل الاجتماعي، ومساندة الفئات الأقل حظاً، بما يعكس التزاماً عملياً بقيم الرحمة والتضامن والعطاء. ولم يكن ذلك مجرد نشاط موسمي أو استجابة لظرف طارئ، بل نهجاً متواصلاً ترجم قناعة راسخة بأن الإنسان هو محور التنمية وغايتها.
ولعل أجمل ما في هذه المسيرة أن العطاء لم يكن يوماً وسيلة للظهور، بل أسلوب حياة. فهناك من يكتب تاريخه بالخطب، وهناك من يكتبه بالفعل، ومن يزرع الأمل في نفوس الناس، ويجعل من المبادرة ثقافة، ومن التكافل ممارسة يومية، يترك أثراً يبقى حاضراً حتى بعد أن تغيب الأضواء.
ولذلك، فإن تكريم معالي الدكتورة خولة العرموطي لم يكن احتفاءً بشخصية عامة فحسب، بل احتفاءً بمنظومة كاملة من القيم التي جسدتها في مسيرتها؛ قيم الإخلاص، والمسؤولية، والعمل الصامت، والإيمان بأن خدمة الوطن تبدأ من خدمة الإنسان. فالأمم لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض برجال ونساء يحملون همّ أوطانهم في كل موقع، ويجعلون من العطاء رسالة تتجاوز حدود الوظيفة إلى فضاء الواجب الوطني والإنساني.
وفي مناسبة وطنية تتزامن مع الاحتفال بعيد الاستقلال، يكتسب هذا التكريم دلالة أكثر عمقاً، لأنه يؤكد أن استقلال الأوطان لا يُصان بالحدود وحدها، وإنما يُصان أيضاً بالعقول التي تبدع، والقلوب التي تعطي، والسواعد التي تعمل بإخلاص، والشخصيات الوطنية التي تكرس حياتها لخدمة المجتمع، وتؤمن بأن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان.
لقد أثبتت معالي الدكتورة خولة العرموطي، في نظر كثيرين، أن المناصب قد تمنح المسؤولية، لكنها لا تمنح المكانة؛ فالمكانة يصنعها الصدق، ويصنعها العمل، ويصنعها ذلك الحضور الإنساني الذي يبقى بعد انتهاء كل المناصب. ولذلك، جاء تكريمها تقديراً لمسيرة جمعت بين الفكر والممارسة، وبين الإدارة والمبادرة، وبين المسؤولية الرسمية والواجب الإنساني، لتقدم نموذجاً وطنياً يستحق الاحترام والتقدير.
ويبقى التكريم الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس الدرع الذي يُسلَّم على منصة، ولا الشهادة التي تُعلَّق على جدار، وإنما الدعاء الصادق الذي يخرج من قلب محتاج، والابتسامة التي ترتسم على وجه أسرة وجدت من يمد لها يد العون، والذاكرة الوطنية التي تحفظ أسماء الذين مروا من هنا وتركوا أثراً لا يُمحى.
هكذا تُكتب سيرة الكبار… لا بالحروف، بل بالمواقف. ولا بالمناصب، بل بما يزرعونه من خير في حياة الناس. وتلك هي الرسالة الأسمى التي يجسدها تكريم معالي الدكتورة خولة العرموطي؛ أن خدمة الوطن ليست مرحلة تنتهي، بل عهدٌ يتجدد، وأن الإنسان الذي يجعل من العطاء منهجاً، يظل اسمه مزروعاً في ذاكرة الوطن، شاهداً على أن أثر الخير أبقى من كل المناصب، وأن التاريخ لا يخلّد إلا الذين منحوا أوطانهم وناسهم أكثر مما أخذوا.
