قبل أن نسأل إن كان الأردن يمر بعاصفة أو ترند أو بمرحلة إصلاح علينا أن نسأل السؤال الذي يخشاه كل فاسد: من الذي يعصف بالأردن؟
هل هي الظروف؟ أم التحديات؟ أم أن أخطر العواصف هي تلك التي يصنعها من اؤتمنوا على الوطن ثم خانوا الأمانة؟
فالأردن لم تهزمه الحروب ولم تكسره المؤامرات ولم تسقطه الأزمات الاقتصادية
لكنه يتألم كلما تسلل الفساد إلى مؤسسة وكلما تغلغل الترهل في إدارة وكلما شعر المواطن أن العدالة أصبحت أبطأ من الفساد
ليس مؤلمًا أن تواجه الدولة تحديات فكل دول العالم تواجهها
المؤلم أن يعتقد فاسد أن المنصب حصانة وأن الكرسي ملكية وأن المال العام غنيمة وأن المواطن سينسى وأن التاريخ لن يكتب
لكن التاريخ لا ينسى
والشعوب لا تنسى
والأوطان لا تغفر لمن خانها
ومع ذلك… يبقى الأردن أكبر من الجميع
فالأردن وهو يدخل مئويته الثانية لم يكن يومًا دولة هشة أمام الأزمات على مدار أكثر من مئة عام واجه الحروب والاضطرابات والأزمات الاقتصادية والسياسية وخرج منها أكثر قوةً وتماسكًا
كانت العواصف في كثير من الأحيان تأتي من الخارج وأحيانًا من أصحاب المصالح ومن كل من حاول العبث باستقرار هذا الوطن لكنه بقي واقفًا لأن جذوره أعمق من كل المؤامرات
أما اليوم فإن أخطر ما يواجه الأردن ليس العدو الخارجي فقط بل كل يد تعبث بثقة المواطن وكل مسؤول يسيء إلى الأمانة التي حملها
نعم… قد يوجد فساد وقد يوجد ترهل إداري وهذه المشكلات ليست حكرًا على الأردن لكنها تصبح كارثة عندما تتحول إلى ثقافة وعندما يظن الفاسد أنه فوق القانون أو بمنأى عن المحاسبة
ويبقى السؤال الذي يؤلم أكثر من كل الأسئلة:
كيف يقبل إنسان أن يكون مسؤولًا فاسدًا؟
كيف يقبل أن يوقع قرارًا يعرف أنه ظلم؟
كيف ينام مرتاح الضمير وهو يعلم أن شابًا حرم من فرصة بسببه؟
كيف ينظر في عيون أطفاله وهو يعلم أن أطفالًا آخرين سلبت حقوقهم بسبب فساده؟
ألم تقفوا يومًا في طابور الصباح وأنتم ترددون:
“نحن أحرزنا المنى… يوم أحييت لنا نهضة تحفزنا”
ألم تؤثر فيكم تلك الكلمات؟
ألم تحلموا يومًا أن تكونوا جزءًا من نهضة هذا الوطن؟
إذا كانت النهضة تحفزنا…
فانهضوا بالأردن… لا تنهضوا عليه…
ألم تسمعوا وصية الكبار التي تربينا عليها:
“هذا الأردن… ديروا بالكم عليه يا عيالي”
ألم تكبروا على الأغاني التي كانت تجعل اسم الأردن يسبق كل الأسماء؟
ألم تشعروا يومًا أن هذا التراب يشبهنا وأن رائحته تشبه طفولتنا وأن الوطن ليس مجرد حدود بل كرامة وهوية وذاكرة؟
فلماذا يخذل الأردن بمن اؤتمنوا عليه؟
ألم يؤنبكم ضميركم وأنتم ترون حقًا يسلب؟
ألم يؤنبكم قلبكم وأنتم تكذبون على الناس؟
ألم يؤنبكم عقلكم وأنتم تبررون التقصير أو تصنعون الأعذار أو تستهينون بأحلام الشباب؟
الوطن لا تقتله الحروب وحدها
بل يوجعه الفساد
ويؤلمه الإهمال
ويكسره المسؤول الذي ينسى أن المنصب تكليف لا تشريف
الأردن لا يحتاج إلى خطابات جديدة
ولا إلى شعارات تقال أمام الكاميرات
الأردن يحتاج إلى ضمائر لا تباع
وإلى مسؤول يخاف الله قبل أن يخاف القانون
وإلى موظف يرى في كل دينار من المال العام أمانة لا فرصة
وإلى مسؤول يدرك أن المنصب سيزول لكن أثره سيبقى
اعلموا…
أن الكرسي لا يدوم
وأن المنصب لا يبقى
وأن الحصانة تسقط
وأن الكاميرات تنطفئ
لكن التاريخ لا ينسى
وسجلات الشعوب لا تمحى
وسؤال الله أعظم من كل لجان التحقيق
الأردن ليس شركة خاصة
وليس غنيمة
وليس إرثًا لأحد
الأردن وطن الشهداء
ووطن الجنود الذين وقفوا على الحدود
ووطن المعلمين الذين ربوا الأجيال
ووطن الأمهات اللواتي أوصين أبناءهن دائمًا:
“ديروا بالكم على الأردن”
من يسرق من الأردن…
لا يسرق مالًا فقط
بل يسرق حلم شاب
ودواء مريض
وفرصة طالب
ولقمة أسرة
وثقة شعب كامل
سيبقى الأردن…
أكبر من كل فاسد
وأقوى من كل عابث
وأبقى من كل منصب
وسيبقى الوطن مهما تكاثرت عليه العواصف قادرًا على النهوض بأبنائه الشرفاء.
لكن سيبقى سؤال واحد يلاحق كل من خان الأمانة في الدنيا قبل الآخرة:
لماذا فعلتم هذا بالأردن؟
