لا شك اننا ننقل الكثير من العادات والسلوكيات، لبناتنا، عبر التعليم، كتعليم الأصول، الأدب، والعادات والتقاليد، و«السنع»، وغيرها من جوانب، الا اننا غالباً نغفل عن تعليمهن، «الوعي المالي»، فقد نعلم الفتاة منذ صغرها كيف تحافظ على الأموال، لكننا لا نعلمها كيف تصنعه، أو تستثمره، على عكس الأبناء الذكور.
حيث يتم اغفال هذا الجانب المهم من الوعي، سواء في الأسرة أو المدرسة، أو المجتمع، فيمكن أن نقول للفتاة وفّري، لا تسرفي، احتفظي براتبك، ابتعدي عن المخاطرة، لكننا لا نعلمها كيف تستثمر، أو كيف تنمي أموالها، على عكس الشاب الذي يتعلم من والده الكثير من الجوانب المالية، ثم يتولى المجتمع وخاصة «الديوانيات» بالبقية، بالتالي نجد أن هناك دائماً فجوة معرفة مالية، بين الرجل والمرأة، لا تتعلق أبداً بمستوى الراتب أو المستوى الاقتصادي، بل هي ناتجة فقط عن وعي مالي مفقود لدى المرأة، وهو ما يجب أن تنتبه له النساء، حيث لم يعد هذا الوعي ترفاً، بقدر ما هو ضرورة كي تنمي المرأة أموالها.
وهذه الفجوة بحاجة لمعالجة، فالوعي الاقتصادي لدى المرأة يعود بالنفع على المجتمع بشكل أكبر، كونها اذا تثقفت اقتصادياً وكان لديها الوعي الكافي باستثمار أموالها ستكون عاملاً مهماً في الاقتصاد، الأمر الذي يستدعي اطلاق مبادرات وعي مالي واقتصادي موجهة للنساء، بل يجب ان يبدأ الوعي المالي للأنثى من صغرها عبر الأسرة ثم تضمينه بالمناهج الى جانب المبادرات المجتمعية والحكومية.
فسبق أن اطلقنا مبادرة «نوطك» التي كانت تهدف الى تمكين المرأة الخليجية اقتصادياً، وهي مبادرة غير ربحية تهدف لتثقيف المرأة بالمبادئ الاقتصادية، وإدارة أموالهن بصورة صحيحة واستثمارها في مجالات مدرة للربح لهن، وكذلك مساهمة في الاقتصاد المحلي.
فقد تكون المرأة موظفة وتتقاضى راتباً جيداً، وتملك مدخرات، لكنها غالباً لا تعرف كيف تدير هذه المدخرات، فالمشكلة ليست عدم امتلاكها للمال، بل كون المرأة غالباً ما تترك خارج النقاش الذي يعلم كيف يدار المال وكيف ينمو، على عكس الرجال الذين يبدأون مبكراً في الدواوين في الحديث عن الأسهم والعقار والمشاريع والاستثمارات، ويتم تشجيعهم على خوض مخاطر المجازفات المالية، فيخسرون، يخطئون، يعيدون المحاولة، ويتعلمون، أما المرأة فغالباً ما يطلب منها أن تكون «حذرة» أو يتم تهميش طموحاتها الاقتصادية تحت ذريعة واهية ان الرجل هو المسؤول عن الأسرة والمرأة!
وتجدر الإشارة الى ان الحذر من استثمار الأموال أو ادارتها، ليس نصيحة بمحلها، فالمال الذي يبقى لسنوات في الحسابات البنكية ليس مالاً آمنا، فهو مال يفقد قيمته، ويأكله التضخم سنة بعد أخرى، فالمخاطرة بإدارة الأموال واستثمارها قد تكون مخيفة، لكن عدم المخاطرة أيضا له ثمنه!
وهنا، لا أدعو المرأة لأن تكون خبيرة اقتصادية، بل يكفيها أن تمتلك الحد الأدنى من الوعي المالي والمبادئ الاقتصادية التي تمكنها من إدارة أموالها وتنميتها، وجعلها مدرة للأرباح مع الوقت، فقد تربينا على مفهوم خاطئ، وهو ان الاستقلال المالي يتحقق عبر وظيفة وراتب، فقط، لكن مع الوقت يجب أن ندرك كنساء أن الادخار وحده لا يكفي خاصة في ظل معدلات تضخم مرتفعة، والأمان لا يتحقق الا بمعرفة كيفية إدارة هذه المدخرات.
من جانب آخر، هناك سلوك اقتصادي لا يمكن غض النظر عنه، وهو توجه العديد من النساء والفتيات لشراء «كماليات» بمبالغ كبيرة، قد تلتهم جزءا كبيراً من مدخرات المرأة أو راتبها، الا انه حتى قرار شراء حقيبة أو ساعة من إحدى الماركات العالمية يمكن أن يكون قراراً مالياً ذكياً، فالكثير من هذه الكماليات، تعتبر أصولا واستثمارا على مدى السنوات، ويمكن بيعها بربح مالي لاحقاً، وكذلك الأمر ينطبق على الذهب.
الوعي الاقتصادي والمالي لم يعد ترفاً للمرأة، بل ضرورة ملحة، يجب أن يكون ضمن أولويات المبادرات المجتمعية والجمعيات المعنية بالاقتصاد والمرأة، وغيرها من مؤسسات مدنية وحكومية، فقد آن الأوان أن تكون المرأة لاعباً اقتصادياً مهماً في المجتمع.
