ليست كل لحظات التخرج تُكتب بالحبر، فبعضها يُكتب بنبض القلب، وتُخلّدها دموع الفرح قبل الكلمات. فهناك انتصارات لا تُقاس بالميداليات، ولا تختصرها الشهادات، بل تُقاس بدمعة أمٍّ انتظرت، وصبرت، ودعت، وآمنت أن الله لا يخذل قلبًا علّق رجاءه به. وهناك لحظات يتوقف فيها الزمن احترامًا لعظمة المشهد، لأن الفرح فيها أكبر من أن تصفه الكلمات، وأعمق من أن يحتويه الحبر.
واليوم، تعيش الإعلامية عبيدة عبده واحدةً من أعظم لحظات عمرها؛ لحظةً ترى فيها فلذة كبدها، وضياء عينيها، وثمرة سنواتها، يتقدم الصفوف مرفوع الرأس، متوجًا بالعلم، متوشحًا بالمجد، بعدما تصدر تخصص إدارة الأعمال في جامعة عمّان الأهلية بتقدير ممتاز، وقاد موكب الخريجين، وكان أول من اعتلى منصة الشرف لتسلّم شهادته، في مشهدٍ سيبقى محفورًا في الذاكرة، وكأنه رسالة خالدة تقول إن المجد لا يطرق إلا أبواب الذين أتعبوا أقدامهم في السير إليه، وإن القمم لا تعرف إلا أصحاب الهمم العالية.
أيُّ فخرٍ هذا الذي يسكن قلب أم؟ وأيُّ فرحةٍ تستطيع الكلمات أن تصفها وهي ترى ابنها يقف في المقدمة، بينما يقف خلفه تاريخٌ طويل من التعب، والسهر، والدعاء، والتضحيات، والإيمان الذي لم يتزعزع يومًا بأن الله سيجعل لهذا الصبر موعدًا مع الفرح؟
لم يكن طاهر يسابق زملاءه فحسب، بل كان يسابق التعب، ويتحدى الصعاب، حتى استحق أن يكون الأول… لا لأن الحظ ابتسم له، بل لأن الإرادة صنعت له طريقًا، ولأن الاجتهاد كان عنوان أيامه، ولأن النجاح لا يعرف إلا أصحاب العزائم التي لا تنكسر. إنه إنجازٌ لا يُقاس بدرجةٍ أكاديمية أو شهادةٍ جامعية، بل يُقاس بسنواتٍ من المثابرة، والانضباط، والعمل، والإيمان بأن الأحلام العظيمة لا تتحقق إلا على أيدي أصحابها.
قال تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
صدق الله العظيم.
وها هي الآية تتجسد اليوم أمام العيون، في صورة شابٍ حمل العلم بأخلاقه قبل شهادته، وبعزيمته قبل تفوقه، حتى رفعه الله بين أقرانه، وجعل اسمه يتصدر المشهد بكل جدارة واستحقاق.
ويحق للإعلامية عبيدة عبده أن ترفع رأسها عاليًا، بل يحق لها أن تمشي مزهوةً بهذا الإنجاز الذي لم يكن وليد لحظة، وإنما ثمرة رحلة طويلة من التربية الصالحة، والاحتواء، والدعاء، والإيمان، حتى جاء اليوم الذي يعلن فيه القدر أن تعب الأم لا يضيع، وأن الله إذا وعد أوفى، وإذا أعطى أدهش. فهذا النجاح ليس نجاح ابنٍ فحسب، بل هو انتصار أمٍّ آمنت، وربّت، وصبرت، ودعت، حتى رأت ثمرة غرسها تتصدر المشهد بكل فخر.
يا طاهر…
لقد منحت أمك اليوم فرحةً تعادل الدنيا وما فيها، وجعلت قلبها يبتسم كما لم يبتسم من قبل، وأعدت إليها كل سنوات التعب في هيئة لحظةٍ واحدة، لكنها تساوي العمر كله.
لقد أثبت أن الإرادة لا تعرف المستحيل، وأن من يصنع لنفسه هدفًا واضحًا لا بد أن يصل إليه. وما هذا الإنجاز إلا بداية طريقٍ أوسع، ومسؤوليةٍ أكبر، نحو صناعة مستقبلٍ يليق بك، وخدمة وطنك ومجتمعك بعلمك، وأخلاقك، وكفاءتك.
فاحمل شهادتك بفخر، ولكن اجعل أخلاقك أعلى من شهادتك، وتواضعك أكبر من إنجازاتك، فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى القمة فحسب، بل أن تبقى فيها بقيمك، وإنسانيتك، وإخلاصك.
فهذا المشهد لم يكن مجرد حفل تخرج، بل كان يومًا انتصر فيه الإصرار على المستحيل، وانتصرت فيه الأحلام على كل العقبات، وارتفع فيه اسمك لأنك اخترت أن يكون طريقك طريق المجتهدين. ولتكن هذه الشهادة بداية الطريق لا نهايته، فالقمم التي وصلت إليها اليوم ليست سوى أول درجات المجد، وما ينتظرك ـ بإذن الله ـ أعظم وأكبر، ما دمت متمسكًا بإيمانك، وأخلاقك، وتواضعك، وقيمك.
أخيرًا…
ليس كل الناس يُرزقون أبناءً متفوقين، وليس كل المتفوقين يُرزقون أمًا بحجم عبيدة عبده.
فاليوم اجتمع شرف التفوق مع عظمة التربية، واجتمع نجاح الابن مع دعاء الأم، فكان المشهد استثنائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ مشهدٌ يروي للأجيال أن المجد يبدأ من بيتٍ آمن بالعلم، ومن أمٍّ غرست القيم قبل الأحلام، ومن ابنٍ أدرك أن النجاح يصنعه العمل، وتحرسه الأخلاق.
ألف ألف مبارك يا طاهر…
يا فخر أمك، وسندها، ونور قلبها، ووسام عزها.
دمت كما عرفناك؛ الأول خلقًا، والأول علمًا، والأول طموحًا، وجعل الله هذا الإنجاز فاتحة خير، وفتح لك أبواب المجد من أوسعها، وبارك في علمك وعملك، وكتب لك مستقبلًا يليق بعزيمتك، وأن تبقى دائمًا كما أردتك أمك… عالي المقام، مرفوع الهامة، مشرفًا لعائلتك ووطنك.
فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ونسألك أن تبارك لطاهر في علمه وعمله، وأن تفتح له أبواب الخير والتوفيق، وأن تجعل هذا النجاح بدايةً لمسيرةٍ زاخرةٍ بالإنجاز والتميز، وأن يديم على أسرته الفخر والفرح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
واليوم رفعت اسمك، وغدًا بإذن الله سترفع راية وطنك.
