عروبة الإخباري –
لم تعد المعلومة في الدولة الحديثة تفصيلًا إداريًا أو وثيقة محفوظة في الأدراج، بل أصبحت أساسًا من أسس الحوكمة الرشيدة، ومدخلًا مباشرًا لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد. فكلما اتسعت مساحة المعرفة العامة، ضاقت مساحة الغموض، وكلما أصبح الوصول إلى المعلومات أكثر يسرًا، ازدادت قدرة المواطن والمجتمع المدني والإعلام على الرقابة والمساءلة والمشاركة الواعية.
في الأردن، لا تبدأ أهمية هذا الموضوع من فراغ؛ فقد كان الأردن أول دولة عربية تقر قانونًا لضمان حق الحصول على المعلومات عام 2007، ثم جرى تعديل هذا القانون عام 2024، بما يعكس الحاجة المستمرة إلى تطوير البيئة التشريعية الناظمة لهذا الحق. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النص القانوني وحده، بل في تحويله إلى ممارسة مؤسسية يومية تجعل إتاحة المعلومات هي الأصل، وحجبها هو الاستثناء المنضبط بالقانون.
إن النزاهة لا تُبنى بالشعارات، بل بالأنظمة الواضحة، والإجراءات القابلة للتتبع، والبيانات المنشورة في الوقت المناسب. فالفساد غالبًا لا ينمو في الضوء، بل في المساحات الرمادية: حيث تغيب المعلومة، وتتأخر الإجابة، وتتعدد التفسيرات، وتصبح القرارات العامة بعيدة عن الفهم والمساءلة. لذلك فإن إتاحة المعلومات ليست إجراءً إداريًا محايدًا، بل هي فعل وقائي يحمي المال العام، ويعزز الثقة، ويحد من فرص إساءة استخدام السلطة.
ومن منظور الحوكمة، فإن المؤسسة التي تدير معلوماتها بكفاءة هي مؤسسة أكثر قدرة على اتخاذ القرار الرشيد. فالمعلومات الدقيقة تساعد على قياس الأداء، وتحديد مواطن الخلل، وتقييم السياسات العامة، وتصحيح المسار. كما أن مشاركة المعلومات بين المؤسسات تمنع الازدواجية، وتحد من الهدر، وتدعم التكامل في تقديم الخدمات العامة.
وهنا تبرز أهمية ربط حق الحصول على المعلومات بمسار تحديث القطاع العام في الأردن. فقد أكدت خارطة التحديث الإداري على مكونات تشمل الخدمات الحكومية، والإجراءات والرقمنة، والحوكمة، وصنع السياسات، والتشريعات، والثقافة المؤسسية. وهذه المكونات لا يمكن أن تنجح دون منظومة معلومات شفافة، محدثة، ومفتوحة بقدر الإمكان أمام المواطن والباحث والإعلام وصانع القرار.
إن التحول الرقمي لا ينبغي أن يكون مجرد نقل للخدمات من الورق إلى الشاشة، بل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة على أساس الوضوح والثقة. فالمنصات الرقمية لا تكون ذات قيمة حقيقية إذا لم تقدم بيانات دقيقة، ومحدثة، وسهلة الفهم، وقابلة للوصول. والشفافية الرقمية ليست في عدد المواقع الإلكترونية، بل في نوعية المعلومات التي تتيحها، ومدى قابليتها للاستخدام والمساءلة.
ويؤمن مركز الشفافية الأردني، بأن ترسيخ ثقافة النزاهة يتطلب الانتقال من مفهوم “طلب المعلومة” إلى مفهوم “الإفصاح الاستباقي”. أي أن تقوم المؤسسات بنشر المعلومات ذات المصلحة العامة بصورة منتظمة، دون انتظار طلبات فردية، خصوصًا ما يتعلق بالموازنات، والعطاءات، ومؤشرات الأداء، والخدمات، والقرارات ذات الأثر العام. فالإفصاح الاستباقي يختصر الوقت، ويقلل الشكوك، ويحول الشفافية من استجابة إلى ثقافة مؤسسية.
كما أن تعزيز ثقافة النزاهة لا يقع على عاتق الجهات الرقابية وحدها، رغم أهمية دورها في ترسيخ منظومة النزاهة الوطنية ومكافحة الفساد. فالمسؤولية مشتركة بين الحكومة، ومجلس النواب، والإعلام، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والمواطن نفسه. فالمعلومة لا تكتمل قيمتها إلا عندما تُستخدم في بناء وعي عام، ورقابة مسؤولة، وحوار وطني يستند إلى الحقائق لا إلى الانطباعات.
إن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لتعزيز موقعه في مجال النزاهة والشفافية من خلال تطوير ثقافة مؤسسية تجعل المعلومات العامة متاحة، مفهومة، وموثوقة. وهذه ليست مسألة تقنية أو قانونية فقط، بل مسألة ثقة وطنية. فالمواطن الذي يجد المعلومة بسهولة يشعر أن المؤسسة تحترمه، وأن القرار العام ليس مغلقًا أمامه، وأن المشاركة في الشأن العام حق ومسؤولية.
في النهاية، فإن المعلومة ليست مجرد حق في المعرفة، بل هي ضمانة للنزاهة، وأداة للحوكمة، وجسر للثقة بين الدولة والمجتمع. وكلما آمنا بأن الشفافية تبدأ من إتاحة المعلومات، اقتربنا أكثر من إدارة عامة أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر مساءلة، ومجتمع أكثر قدرة على حماية الصالح العام.
24
