بالرغم من أنّ مسلسل شخص له مصلحة Person of Interest، الذي انتهت مواسمه جميعاً قبل قرابة عقد من الزمن، يتناول ما كان يعتبر حينذاك خيالاً علمياً عن الذكاء الاصطناعي وتحوله لنظام يسيطر على العالم والبشر، إلاّ أنّ هنالك مضموناً لافتاً وعميقاً في حوارات المسلسل ارتبط بأسئلة وجودية وفلسفية ودينية عميقة.
مثل تلك النقاشات التي بدت غريبة في تلك المرحلة أصبحت اليوم ضرورية بل ولها أولوية، وهو ما طرحته مقالة جديدة مهمة نشرتها مجلة The Economist قبل أسابيع تحاول الإجابة على سؤال رئيس؛ لماذا أكبر مختبرات الذكاء الاصطناعي في العالم تستقطب فلاسفة، وتبحث عنهم كما تبحث عن أفضل مهندسي البرمجيات.
لسنوات، كان السباق يدور حول من يمتلك بيانات أكثر، ومن يبني نموذجاً أكبر، ومن يطوّر رقائق أسرع. كان الاعتقاد السائد أن الطريق إلى المستقبل يمر عبر مزيد من الحوسبة. لكن كلما ازدادت قدرة النماذج، ازدادت الأسئلة التي لا تجيب عنها الحوسبة. ماذا تفعل الآلة عندما تتعارض قيمتان؟ كيف تعرف أنها لا تعرف؟ متى يكون الامتناع عن الإجابة أكثر مسؤولية من تقديمها؟ وكيف تفسر قرارها إذا أصبح هذا القرار جزءاً من علاج مريض، أو حكم قضائي، أو ضربة عسكرية، أو سياسة عامة؟ بالمختصر فإنّ القضية ليست مرتبطة بتوظيف الفلاسفة، بل الإعلان، من دون قصد، عن نهاية مرحلة كاملة في تطور الذكاء الاصطناعي. طوال العقد الماضي، كان التحدي هو الوصول إلى الذكاء. أما العقد المقبل، فيبدو أن التحدي سيكون شيئاً آخر: الحكمة. الفارق بينهما ليس لغوياً. الذكاء يستطيع أن يجد أفضل طريق إلى الهدف، أما الحكمة فتبدأ بالسؤال: هل هذا هو الهدف الصحيح أصلاً؟ ولعلّ هذه المفارقة الشديدت التي يطرحها المقال إذ كانت النظرة، حتى قبل عصر الذكاء الاصطناعي، إلى الفلسفة وكأنّها لم تعد مفيدة أو أنّ دورها انتهى، وأنّها شيئ من الماضي، بخاصة الفلسفة المعيارية المتعلقة بالقيم والأفكار، أما اليوم فإنّ الفيلسوف لم يعد ناقداً يقف خارج التكنولوجيا، يكتب عنها ويحذر منها؛ أصبح يجلس داخل المختبر، يشارك في تصميمها، والطريف في عنوان مقالة الأيكونومست أنّه يذكرنا بكتاب ريبيكا غولدشتاين «أفلاطون في غوغل»، الذي استدعت فيه، عبر المحاكاة والخيال، أفلاطون لعقد لقاءات في مقر شركة غوغل وقامت بتصور نقاشات فلسفية معمقة يدخل فيها بعصر الذكاء الاصطناعي.
في هذا السياق تبدو أفكار يوفال نوح هراري أكثر إثارة للاهتمام، بخاصة من يتابع مقابلاته ولقاءاته المهمة حول الذكاء الاصطناعي وخطورته على البشرية ومستوى القوة التي يمكن أن يصل إليها قريباً، إذ يتحدث عن انتقال السلطة إلى من يملك البيانات والخوارزميات، وعن احتمال أن يصبح الذكاء الاصطناعي منتجاً للمعرفة، وصانعاً للروايات، ومشاركاً في اتخاذ القرار. كان يرى أن الثورة المقبلة لن تغير الاقتصاد فقط، بل ستغير معنى السياسة، ومعنى الحرية، وربما معنى الإنسان نفسه.
ربما نكون، بالفعل، على أعتاب جيل جديد من الذكاء الاصطناعي. ليس جيلاً يعرف أكثر، بل جيل يتردد أكثر، ويشرح أكثر، ويشك أكثر، ويزن العواقب قبل أن يجيب. وإذا حدث ذلك، فإننا سنكون أمام انتقال من هندسة الخوارزمية إلى هندسة الحكم؛ من تطوير الأداء إلى تطوير البوصلة التي توجه هذا الأداء.
بالنسبة إلى الأردن، لا أظن أن القضية تبدأ بشراء تراخيص البرامج أو بإدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات، أو حتى استحداث برامج ذكاء اصطناعي في الجامعات وعقد دورات تعليمية، مع أهمية ذلك كله. القضية أعمق بكثير؛ نحن بحاجة إلى مراجعة طريقة تفكيرنا في التعليم، وفي الجامعة، وفي العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية. فمن المفارقات أن كثيراً من جامعاتنا ما تزال تتعامل مع الفلسفة والعلوم الإنسانية باعتبارها عبئاً يمكن تقليصه، بينما تكتشف أكثر الشركات تقدماً في العالم أنها أصبحت جزءاً من صناعة المستقبل! وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم. لم يعد السؤال: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ فهذا السؤال تجاوزه الزمن. السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف نُعدّ مجتمعاً ودولةً وجامعاتٍ تستطيع أن تعيش في عصر لن تكون فيه المنافسة على الخوارزمية الأفضل فقط، بل على الفكرة الأفضل عن الإنسان، والمعرفة، والسلطة. تلك، في النهاية، ليست مهمة المهندس وحده، ولا الفيلسوف وحده، بل مهمة مجتمع بأكمله.
