عروبة الإخباري –
الخبر كتبت الإعلامية ريتا شهوان –
تُمثّل الأزمة المستمرة حول “الاتفاق الإطاري” الأمني المقترح في لبنان نموذجاً كلاسيكياً للاستعصاء الذي يواجه الدول ذات السيادة المتشظية عندما تصطدم إكراهات الدبلوماسية الدولية بتعقيدات التوازنات المحلية. وإذا ما نظرنا إلى هذا الملف بعين المراقب الخارجي المتجرد، نجد أن طروحات المعارضة البرلمانية والسياسية اللبنانية، التي عبّر عنها عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب علي المقداد ومسؤول العلاقات العامة في حزب الله يوسف الزين، لموقع “الخبر” تحمل في طياتها مواقف مبدئية حازمة تجاه السيادة الوطنية، لكنها في الوقت عينه تفتح الباب أمام قراءة نقدية تفكك هذه الطروحات بموجب أدبيات علم الدبلوماسية ورسم السياسات العامة، بهدف تحويل الثغرات الراهنة إلى فرصة تاريخية للتآخي والتكامل الوطني.
لقد عبّر النائب علي المقداد بصراحة عن الرفض الجذري للاتفاق بصيغته المطروحة، مؤكداً أن “الفكرة الأساسية للاتفاق خطأ وهي لاغية من أساسها”، لكونها تنطوي على “إنهاء حالة العداء مع إسرائيل برغم استمرار احتلالها للأراضي اللبنانية”. وذهب المقداد في مقارنته التاريخية إلى حد وصف هذا الاتفاق بأنه “أسوأ بكثير من اتفاق 17 أيار” لعام 1983 الذي أسقطه اللبنانيون، مشيراً إلى أن تشريح المسودة يكشف عن وجود “أكثر من عشرين بنداً تمس مباشرة باستقلال لبنان، وكرامته، وسيادته”. وتتلاقى هذه القراءة البرلمانية مع الموقف السياسي الذي يطرحه يوسف الزين، الذي يرى في التفاوض المباشر دون وجود مظلة دولية ضامنة ومحايدة انزلاقاً خطيراً، محذراً من دور الوسيط الأمريكي الذي يصفه بأنه “منحاز لإسرائيل بالكامل”، ومستشهداً بعدم التزام إسرائيل بالاتفاقات السابقة كشرم الشيخ المتعلق بغزة، متسائلاً عن جدوى الركون لوعود لا تحمي المصالح اللبنانية.
ومن منظور علم الدبلوماسية، يبرز النقد الأول لإدارة هذا الملف من خلال الفشل في تطبيق نظرية “اللعبة ذات المستويين” للعالم روبرت بوتنام، والتي تفرض على المفاوض الدولي المزاوجة بين التفاوض الخارجي وبناء التوافق الداخلي. وقد أشار الزين بوضوح إلى هذه الفجوة عندما انتقد “التغييب الكامل للشركاء السياسيين والمؤسسات الدستورية” كالحكومة ومجلس النواب في صياغة هذا الاتفاق، معتبراً أن تجاوز إرادة شريحة شعبية واسعة تتراوح بين 50% إلى 60% يمثل خرقاً للعمل الديمقراطي التوافقي. بيد أن القراءة النقدية المقابلة تشير إلى أن المادة 52 من الدستور اللبناني تمنح رئيس الجمهورية الصلاحية الدستورية للمفاوضة وإبرام المعاهدات بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وأن الظروف الاستثنائية تبرر اتخاذ قرارات تنفيذية طارئة لوقف الحرب، على أن يُعرض الاتفاق النهائي لاحقاً على البرلمان للتصديق عليه وفقاً للأصول، وهو ما يطرح تساؤلاً حول واقعية تعطيل المسار الدبلوماسي في بلد يعاني من انهيار اقتصادي وإنساني حاد تحت وطأة الحرب. الا ان هناك تساؤل اكبر: هل سال أصحاب القرار “الحربي” الشعب اللبناني رايه اذا ما أراد فتح جبهة لبنان لاسناد أصلا تقدير معلومات خاطئ؟
وفيما يتعلق بتصميم السياسات العامة وضمانات الاستقرار، تبرز معضلتان رئيسيتان؛ الأولى ترتبط بملف إعادة الإعمار، حيث نبّه النائب المقداد إلى ثغرة أساسية تتمثل في “غياب أي ضمانات أمنية تحمي مرحلة إعادة الإعمار” في الجنوب والضاحية الجنوبية من القصف الإسرائيلي المستقبلي، متسائلاً بصوت الناس المتضررين: “كيف للمواطن أن يعود إلى منزله ليعمره والاحتلال لا يزال يهدد بتدمير كل شيء؟”. وإذا كان هذا التوجس محقاً من الناحية الإنسانية، فإن التحليل النقدي لرسم السياسات يرى أن رهن الإعمار بالحصول على ضمانات “مكتوبة ومطلقة” هو شرط تعجيزي؛ إذ لا توجد في العلاقات الدولية ضمانات مطلقة لعدم تجدد الحروب، بل تمثل الرعاية الإقليمية والدولية المتعددة الأطراف (التي أشار المقداد نفسه إلى أهميتها بمشاركة أمريكا وقطر والسعودية ومصر وتركيا) شبكة الأمان الواقعية الأكثر فاعلية لردع أي اعتداءات مستقبلية وتجنب تأبيد نزوح الأهالي.
أما المعضلة الثانية فتتعلق بتجزيء السيادة، حيث طرح المقداد والزين صيغة ميدانية تقضي بـ “الالتزام بحصرية السلاح لصالح الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني فور الانسحاب الإسرائيلي المقدر بـ 60 يوماً كحد أقصى، مع إبقاء سلاح المقاومة شمال النهر خاضعاً للحوار اللبناني الداخلي في سياق استراتيجية الدفاع الوطني”. ومن منظور علم السياسة، يمثل هذا التقسيم الجغرافي للسيادة بحدود الأنهر فجوة كبرى في تصميم السياسات الأمنية؛ فالسيادة مفهوم لا يقبل التجزئة، وبقاء منظومة تسليحية مستقلة شمال الليطاني يعوق بناء الدولة القوية ويمنع الجيش من ممارسة سلطته الأحادية الكاملة، الأمر الذي يضعف مصداقية الدولة أمام المجتمع الدولي ويقلص ثقة الجهات المانحة بمستقبل البلاد الأمني.
بيد أن تفكيك هذه الاختلالات البنيوية لا يجب أن يقود إلى اليأس، بل يمكن تحويله إلى فرصة تاريخية لصياغة رؤية وطنية للتآخي والتكامل الوطني العابر للطوائف والمناطق. ولعل المدخل الأساسي لتفعيل هذا التآخي يكمن في تحويل أزمة انفراد فريق بالقرار الخارجي وتغييب الآخر إلى دافع حقيقي لإنشاء “المجلس الوطني للأمن والدفاع الاستراتيجي” الذي يضم الرئاسات الثلاث، وقادة الأجهزة الأمنية، وممثلين عن الكتل النيابية الوازنة، ليشكل هذا المجلس الإطار الدستوري الدائم الذي يمنع الاستفراد بالقرار ويضمن صياغة سياسة خارجية ودفاعية تنطلق من سقف وطني موحد يزاوج بين منطق الدولة الحاضنة ومنطق القوة الحامية للأرض.
وفي السياق نفسه، يمكن للبنان تحويل ثغرة التقسيم الأمني بين جنوب وشمال الليطاني إلى فرصة لإنتاج نموذج “التكامل الدفاعي المتدرج”؛ إذ إن إعلان قوى المقاومة، على لسان المقداد والزين، عن استعدادها لإخلاء منطقة جنوب الليطاني لصالح الجيش اللبناني يمثل خطوة أولى ممتازة لبناء الثقة، بحيث تصاغ سياسة دفاعية وطنية تنص على تسليم الأمن تدريجياً وبشكل تصاعدي للمؤسسات النظامية في بقية المناطق، بالتوازي مع استيعاب القدرات الدفاعية والخبرات التكتيكية للمقاومة ضمن أطر نظامية تحت قيادة الجيش بآليات تضمن وحدة القرار العسكري للدولة اللبنانية، مما يزيل هواجس الاستهداف الداخلي ويحقق السيادة الكاملة دون هزات أمنية.
أما المعضلة المرتبطة بتمويل إعادة الإعمار والضمانات الأمنية، فيمكن تفكيكها من خلال الكف عن ارتهان مصير البلاد بالتمويل الخارجي المشروط سياسياً، والذي غالباً ما يكرس الانقسام الداخلي، والذهاب بدلاً من ذلك نحو إطلاق “صندوق التضامن الوطني اللبناني لإعادة الإعمار” بإدارة هيئة وطنية مستقلة وموثوقة من المجتمع المدني والقطاع الخاص وبإشراف الدولة. وعندما تسهم أموال أبناء جبل لبنان، وبيروت، والشمال، والبقاع، في إعادة إعمار بيوت الجنوب والضاحية، يتحول الإعمار من ملف تفاوضي شائك إلى ملحمة تكافل وطني عابرة للطوائف والمناطق، تمنح البيئة المتضررة حصانة وطنية تفوق أي ضمانات مكتوبة قد تقدمها قوى دولية أو إقليمية.
إن الدرس الأبرز الذي تقدمه تجربة “الاتفاق الإطاري” هو أن الدبلوماسية اللبنانية لا يمكن أن تنجح في الخارج ما لم تكن مرآة لصلابة وتوافق في الداخل. ومن خلال مراجعة نقدية شجاعة للسياسات المتبعة، يستطيع اللبنانيون تحويل نقاط ضعف الاتفاق وثغراته القانونية والميدانية إلى مداميك لبناء دولة قوية وسيدة ومتآخية، تتجاوز منطق الاستقواء بالخارج أو التوجس في الداخل، لتقدم للعالم نموذجاً فريداً في حماية الأوطان وترسيخ العيش المشترك. لكن فوق كل هذا الكلام النظري. هناك الميدان يحكم: من قال لكم ان تتوجهوا بالسلاح نصرة الى غزة؟
