في آخر العمر، لا يشيخ الجسد وحده… بل تكبر في القلب مسافاتٌ لم تكن موجودة يومًا. تصبح الذكريات أثاثًا حيًّا، وتغدو الأصوات التي كانت تملأ البيت صلاةً خافتةً تتردّد بين الجدران. هناك، حيث كانت الأمّ وطنًا صغيرًا يتّسع للجميع، وحيث كان الأب ظلًّا لا يُرى إلا عندما تغيب الشمس، تبدأ الحكاية الأكثر وجعًا؛ حكاية الذين أعطوا العمر كلّه ولم يطلبوا سوى مكانٍ دافئ في آخر الطريق.
الأمومة ليست سنواتٍ تُعدّ، بل عمرٌ يُنزَف حبًّا. هي يدٌ تبقى ممدودة حتى بعدما يتعب القلب، وعينٌ تظلّ تنتظر ولو تأخّر العائدون. والأبوة ليست صورةً معلّقة على الحائط، بل جذورٌ عميقة حملت البيت فوق كتفيها كي لا يسقط.
وهذا النص ليس عن دارٍ للمسنّين فحسب، بل عن وجعٍ أكبر من المكان؛ عن أمّ ما زالت ترتّب أبناءها في ذاكرتها كلّ مساء، وعن أبٍ ما زال يخبّئ دموعه كي لا يراه أحد. هو عن البيت حين يفقد نبضه، وعن العمر حين يسأل سؤالًا لا جواب له إلا في الضمير: كيف يصبح الذين كانوا البيت كلّه، غرباء على عتبة ما بنوه بأعمارهم؟
“نقلوا الضو”
شو صعب لمّا الأمّ
تصير تنطر دقّة باب
بعد ما كان البيت كلّو
يفتح عَ صوت خَطواتا
ومن بعد ما استنزفوها ومَلّو
نقلو الضو من البيت … وما عادو طَلّو
وضلّ القنديل معلّق عَ الحيط
يسأل عن الإيدين لِ مخزنو مَلّو
نقلوا الضحكة من مطرحا، والكرسي اللي حدّ الباب صار يقعد عليه النسيان ويستقبل المسا وحدو من بعد ما فَلّوا
الأمّ ما كانت وحدي مرا …
كانت شتي عَ سطوح عطشانة،
وكانت خبزة سخنة تفيق قبل الديك وتنام بعد التعب
والبيّ… كان شجرة جوز واقف بنصّ العاصفة،
تا يضلّ العصفور آمن بعشّو والشقا ما يبلّو
بس مرّة…
إجا العمر متل حصّاد أعمى،
حملن عَ دار كل غرفها مرتّبة،
بس ما فيها ريحة حدا
هونيك…
الأمّ صارت تطعمي الذاكرة من صحن الأمس،
والبيّ صار يسقي الوجع من كاسة النطرا
كل ليلة بيرجعوا الولاد… بس عَ بالها…
مش رجال ونسوان ،بيرجعوا صغار قبالها …
الغريب…
إنّو الإنسان بيقدر ينسى تعبو، وطعم المرض
بس ما بيقدر ينسى كيف صار غريب ببيت عمّرو بعمرو
وآخر الليل…
لمّا يناموا الكل، بتفلّ من صدر الأم تنهيدة،
وبيرجع بيّ يخبّي دمعة، وبيتلاقوا بالنظرة
“معقول… بعد هالعمر صارو متل وردتين انحطّوا بمزهرية مش إلن؟
يمكن يقولوا ظروف… يمكن مصلحة… ويمكن كلمة من شريك رجّحت كفّة قلّة وفا
والوجع…
مش إنّن بدار مسنّين
الوجع إنّو البيت اللي ربّوا فيه كل الدني
ضلّ واقف مطرحو…
وبيمرق العمر…
وبيبقى بالقلب سؤال واحد جوهري
إذا اهلك ما لقيوا مقعد بدنيتك
وين بعد في مطرح اسمو بيت؟
